الجزء 17
الجزء ١٧ · صفحة ٣١٥في بعض معاني قول البعض منهم أنّ هذا قد جرى منه عليه /372/ السلام فعلا وأمرا به في بدوّ الإسلام، قبل نزول آية الغسل، والتطهير من الأخبثين بالماء، فقيل فيما يروى أنّهم كانوا لا يتطهّرون من البول والغائط بالماء، بل هم يستعملون الاستبراء للذكر من البول بثلاث نترات، ومجاراة العرق الذي هو بين القبل والدبر، ويستجمرون من الغائط بثلاثة أحجار، إلى أن وفّق الله أهل مسجد قباء، فاقترحوا بثاقب أذهانهم الغسل بالماء منهما، فأنزل الله على نبيّه ما يدلّ على خبرهم باستحسانهم بذلك، وبه قد مدحهم الله تبارك وتعالى وأحبّهم عليهم. فقال في قصّتهم ومسجدهم: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة:108]، فلمّا أنزل هذه الآية على نبيّه - عليه السلام - سألهم عن حالهم فأخبروه الخبر، فاستعمل النبي - عليه السلام - وأصحابه ذلك، حتّى أنزل الله آية فرض الاغتسال، والله أعلم بصحّة خبر تركه - عليه السلام - الغسل من البول والغائط قبل صحّة ذلك عن أهل قباء، وفي نفسي من ذلك من غير ردّ للرواية، ولا تكذيب منّي، بل بمعنى ما دخل عليّ استغراب ذلك عنه - عليه السلام -؛ لما معي من الحجّة المدلّة على إدخال العلّة في ذلك ممّا يطول وصفها، والله أعلم. فيخرج عندي من معنى قوله من يقول بذلك ممّا يشبه القول بنسخ ذلك، بأنّه فرض الغسل بالماء، /373/ والتيمّم حال عدمه.
إلا وأنّي لقد اعتبرت معاني ما احتوته هذه الآراء لما أن نظرت وأبصرت وجوهها، وما يخرج منها مع من قدر فرام قصها، وكشف حجّتها على معنى التأويل لها؛ فإذا بها لا بدّ لها من إخراج وجه من نيّتها، وأنّه ولا شكّ في ولوجه