قاموس الشريعة الحاوي طرقها الوسيعة جميل بن خميس بن لافي السعدي أبو محمد

الجزء 02

الجزء ٢ · صفحة ٣٤٨

عن النّبيّ - صلى الله عليه وسلم -، وخالفوا فيه قومهم، بعد ما عرفوا أنّهم على خلاف ما أمروا به، وفيه ما يدلّ عليه جوابه أنّه لم يطلب منه المناظرة في أيّهما الأفضل، وإنّما فيه إشارة لطيفة إليه أنّه صادر عن غضب لِمَن رام منه ذلك؛ لأنّه لم يطلب منه غير بيان الإنصاف، هل هو بذلك خارج عن الهدى إلى محض الضّلال، وليس في سكوت الطّالب ما يدلّ على أنّه إن اتّضحت له صحّة فضيلة رأيه على رأيه، ولا أنّه عجز عن الجواب لإيضاح الصّواب؛ لأنّ مِن الآداب المطلوبة بين العلماء لبعضهم بعض، إذا رأوا عالما قد عمل برأي من 198 س آراء المسلمين حسّنوا به الظّنّ أنّ ذلك هو الذي رآه في عقله أنّه إلى الحقّ أرجح، ونظره أنّ العمل به أنجح، فإن سكتوا عنه إذا لم يطلب منهم المناظرة فيها؛ فهو من الآداب المستحسنة معهم في حقّه، وإن طلب أحد منهم فأشار عليه بإظهار المناظرة؛ فأباها كان مِن الآداب المستحسنة معهم السّكوت عنه، وإذا كان ذلك المندوب إليه مع العلماء، فكيف بالضّعفاء في العلم إذا حضروا بين يدي العلماء الفضلاء؟! ولأنّ ذلك في حقّه الأفضل، وليس عليه أن يرجع إلى رأيهم ما لم يره، وأن لو طلبها منهم ورأى أنّ رأيهم الأصحّ والأعدل لَلَزِمه بغير دينونة أن يميل إلى ذلك؛ فيصير في حقّه هذا هو الأكمل.

وقد جرى مثل هذا بيني وبين مَن كنت بضعة منه، في مسألة الصّوم التي شرحها، وأجاد إيضاحها، وأسرج مصباحها؛ فجعل صوم كلّ يوم من شهر الله رمضان عن عشرة أيّام، والشّهر كلّه عن عشرة أشهر من السّنة، فيبقى منها شهران، فإذا صام ستّة أيّام بعدها كلّ يوم عن عشرة أيّام منهما، فكأنمّا صام السّنة كلّها؛ فقلت: إنّ الأمر ليس هكذا، بل فضّلت هذه الستّة الأيّام كلّ يوم منهن عن شهرين؛ فإذا صامهنّ، فكأنمّا صام السّنة كلّها متطوّعًا؛ فقال: لا؛