الجزء 18
الجزء ١٨ · صفحة ١١ودفع الوساوس، مع الخشية والخشوع واستحضار العلم، بأنه انتصاب بين يدي جبار السموات؛ ليسأل فك الرقاب عن سخطه وعذابه، فإنّ الإنسان يتحرز في مناجاة بعض ملوك الدنيا، فكيف بمناجاة ملك السموات والأرض؟ وقيل: معناه استعينوا على البلايا والنّوائب بالصّبر عليها، والالتجاء إلى الصّلاة عند وقوعها؛ فقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «إذا أحزنه أمر فزع إلى الصلاة»(1). وعن ابن عباس أنه بغى عليه أخوه قُتم وهو في سفر فاسترجع، وتنحّى عن الطّريق وصلّى ركعتين، أطال فيهما الجلوس، ثم قام إلى راحلته وهو يقرأ: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا﴾، يعني: الصلاة، ﴿لَكَبِيرَةٌ﴾، أي: لشاقة ثقيلة ﴿إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾؛ /5/ فإنها لا تثقل عليهم؛ لأنهم يتوقعون ما اُدّخر للصابرين، على متاعبها فتهون عليهم؛ لأن من توقع حصول الثواب هانت عليه المشاقّ، ومن لم يوقن بالجزاء كانت عليه مشقّة؛ ومن ثمّ قال - صلى الله عليه وسلم -: «وجعلت قرّة عيني في الصلاة»(2)، وكان يقول: «بلال روّحنا»(3).
مسألة: اختلف السلف والخلف في الصلاة الوسطى؛ فقيل: إنّها الصبح، وذلك يروى عن ابن عباس، وحكي ذلك عن جابر بن زيد. وعن مجاهد: هي الفجر؛ لأنها بين صلاتي النهار وصلاتي الليل. وقال قوم: إنها صلاة المغرب؛
(1) أخرجه بمعناه كل من: أبي داود، كتاب الصلاة، رقم: 1319؛ وأحمد، رقم: 23299؛ والبيهقي في شعب الإيمان، باب الصلاة، رقم: 2913.
(2) أخرجه النسائي، كتاب عِشرة النساء، رقم: 3940؛ وأحمد، رقم: 14037؛ والبزار في مسنده، رقم: 6879.
(3) أخرجه بمعناه كل من: أبي داود، كتاب الأدب، رقم: 4986؛ وأحمد، رقم: 23088. وأورده بلفظه الزمخشري في الكشاف، 1/ 134.