الجزء 18
الجزء ١٨ · صفحة ٢١أنه قال: «أفضل الصلاة أطولها قنوتا»(1)، أي: أطولها قياما، وإنما سمي الدعاء قنوتا؛ لأنهم يدعون به وهم قيام، على ما يسمى الشيء باسم غيره، إذا كان منه بسبب، والقنوت يتصرف على وجوه:
قال الله جل ذكره: ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي﴾ [آل عمران:43]، أي: دومي على طاعة ربك، والله أعلم. وقوله جل ذكره: ﴿وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ [التحريم:12]، /16/ أي: من الدائمين على طاعة الله.
ومن غيره: وقيل: في قوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة:238]، أي: مطيعين، ونصبه على الحال الصريح.
والقنوت الطاعة، قال الله: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِّلَّهِ﴾ [النحل:120]، أي: مطيعا. وقيل: القنوت: السكوت عما لا يجوز التكلم به في الصلاة. وقيل: قانتين: خاشعين. وقيل: مصلين؛ الدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ الَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا﴾ [الزُّمَر:9].
قرأ ابن كثير ونافع وحمزة: أَمَنْ بتخفيف الميم، وقرأ الآخرون بتشديدها، فمن شدد؛ فله وجهان: أحدهما: أن يكون الميم صلة، فيكون معنى الكلام استفهاما، وجوابه محذوفا، مجازه: أمّن هو قانت كمن هو غير قانت، كقوله تعالى: ﴿أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ [الزُّمَر:22] كمن لم يشرحه. والوجه الآخر: أنه عطف على الاستفهام، مجازه: الذي جعل لله أنداد خيرا أم من هو قانت. ومن قرأ بالتّخفيف جعل ألف استفهام دخلت على مَنْ، معناه: أهذا
(1) أخرجه مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، رقم: 756؛ والبيهقي في الكبرى، كتاب الصلاة، رقم: 4685. وأخرجه الترمذي بمعناه، أبواب الصلاة، رقم: 387.