الجزء 18
الجزء ١٨ · صفحة ٩٨الكعبة؛ دليل على أن الواجب مراعاة الجهة دون العين، ﴿وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة:144]، أي: في بَرّ أو بحر، و ﴿شَطْرَهُ﴾: نحوه وجهته، فلمّا حوّلت القبلة إلى الكعبة قالت اليهود: يا محمد، ما أمرت بهذا، وإنما هو شيء لتبدعه من نفسك، فأنزل تعالى: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِم﴾، أي: إنّ المسجد الحرام قبلة إبراهيم، وأنه حق مذكور أنه كان بشارة أنبيائهم برسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه يصلي إلى القبلتين، ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (144) وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَّا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ﴾ [البقرة:144،145]، أخبر أنّهم وإن اتفّقوا في الظّاهر على النبي - صلى الله عليه وسلم -، فإنهم مختلفون فيما بينهم، فلا اليهود تتبع قبلة النّصارى، وهي مطلع الشمس، ولا النّصارى تتبع قبلة اليهود وهي بيت المقدس. انتهى، فينظر في ذلك.
مسألة: /116/ (ع: ومن جامع أبي محمد): أوجب الله تعالى على من خوطب بالصلاة التوجه إلى الكعبة؛ لقوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة:144]، فإذا كان المصلي على التوجه قادرا؛ وجب عليه استقبالها. وإذا كان المصلي شاهدا؛ صلى إليها من طريق المشاهدة، وإذا كان عنها غائبا؛ استدل عليها بالدلائل التي نصبها الله تعالى عليها، مثل: الشمس والقمر والأرياح والنجوم، وما أشبه ذلك، ولا خلاف بين أهل الصلاة في إيجاب ذلك عليه.
وإذا خفيت عليه الأدلة سقط عنه فرض التوجّه، وكان عليه فرض التحري نحوها، فإذا صلى بعض الصلاة، ثم انكشفت له الأدلة التي يستدلّ بها على الكعبة توجه إليها، وبنى على ما مضى من صلاته؛ لأنه فرض التوجه لزمه عند