الجزء 18
الجزء ١٨ · صفحة ١٦٢الأخرى، والتفريط في اللغة هو أنّ المتقدم في الشيء يسمى مفرطا؛ لأنه قدم النقضة فيه.
ومنه: قول الشاعر:
استعجلونا وكانوا من صحبنا … كما تعجل فراط لوراد
وآخر وقت العصر إلى أن يدرك المصلي منها ركعة قبل غروب الشمس. وكذلك كل صلاة إذا لحق منها مقدار ركعة والوقت قائم، فقد أدركها؛ لما روي عنه - صلى الله عليه وسلم - من طريق أبي هريرة أنه قال: «من أدرك من الصلاة ركعة فقد أدركها»(1).
وأوّل وقت المغرب إذا غابت الشمس، لا تنازع بين العلماء في ذلك، وآخر وقتها إلى أن يغيب الشفق؛ لما روي ذلك عن ابن عمر أنه قال: وقت /199/ المغرب إذا غربت الشمس إلى أن يغيب الشفق. قال الشافعي: وقت المغرب وقت واحد، فخالف الناس بقوله هذا؛ لأن الوقت الواحد لا يمكن الإنسان أن يؤدي فيه الصلاة. وقال بعض أصحابه: الوقت الذي أراده الشافعي مقدار ما يتطهر الإنسان، ويصلي في عادة الناس. وقال بعض أصحابه: إذا غربت الشمس مقدار التطهّر، وصلى ثلاث ركعات، فما كان فوق هذا فهو قضاء للصلاة.
وأول وقت العشاء الآخرة من مغيب الشفق إلى نصف الليل. وقال بعض أصحابنا: إلى ثلث الليل. وبعد ذلك صلاة الوتر إلى طلوع الفجر؛ لقول النبي
- صلى الله عليه وسلم -: «إنّ الله زادكم صلاة سادسة هي خير لكم من حمر النعم، ألا إنّها صلاة الوتر ما بين العشاء الآخرة إلى الفجر»(2).
قال غيره: وفي المصنف: قال الخليل: الشفق الحمرة التي بين غروب الشمس إلى وقت صلاة العشاء الآخرة. قال أبو محمد: الشفقان أحدهما أحمر، والآخر بياض يرى في المغرب، والأبيض يكون بعد الأحمر، ويكون بعد سواد يكون بينهما، كالظلمة /200/ الساطعة، ثم يصفو فيكون الشفق الثاني، والناس مختلفون في مقدار ما بين الشفقين.
(رجع) فإن قال قائل: فأي شفق تجب صلاة العشاء الآخرة به، وهما شفقان: أحدهما أحمر، والآخر أبيض؟ قيل له: اختلف أصحابنا في ذلك؛ فقال بعضهم: الشفق الأول وهو الأحمر. وقال بعضهم: هو الشفق الأبيض الذي بعد الحمرة، ونحن نختار قول من أوجب الفرض بالشفق الأول منهما.
فإن قال قائل: من الذي دلّك على عدل هذا الرأي والفرض إذا كان يجب بالاسم، وكل واحد من الشفقين اسم للشفق الذي يراد به الفرض، وما تنكر أن يكون من صلى بالأول صلى بغير يقين، والفرائض لا تؤدى إلا بيقين؟ قيل له: لما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى يغيب الشفق، فتركنا مع الاسم، والاسم هو المطلوب، والتعلق بأول الأسماء جائز.
فإن قيل: غاب الشفق استحققنا الاسم، ولو كان مراده - صلى الله عليه وسلم - الأبيض دون الأحمر لبيّنه - عليه السلام -؛ إذ هو المبعوث بالبيان، فكان يقول: حتى /201/ يغيب
(1) أخرجه النسائي، كتاب المواقيت، رقم: 554؛ وأحمد، رقم: 7594؛ والدارمي، كتاب الصلاة، رقم: 1256.
(2) أخرجه الربيع بلفظ قريب، كتاب الصلاة ووجوبها، رقم: 192. وأخرجه بمعناه كل من: أبي داود، كتاب الصلاة، رقم: 1418؛ والترمذي، أبواب الوتر، رقم: 452.