الجزء 19
الجزء ١٩ · صفحة ١١٩اسم علم له، اختصه البارئ لنفسه، فكان هو اسم الذات، وما بعده من الأسماء أسماء الصفات تعالى الله علوا كبيرا فقال: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم:65].
وفي سؤاله لمولاه بهذه المسألة يهديه طريق من قربه إليه وأدناه، وأولاه برضاه، وتولاه، إشارة /115/ منه إلى أنه ألزم نفسه ولاية من تولاه الله ورسوله، والمسلمون أهل تلك الحضرة، وأنه اعتقد ما ألزمه الله فيها، وحين شاهد مولاه بعين الهيبة، واندهش بجلال هيبته وقوته وقدرته، وسخر ممن خالفه وعصاه، وتمكنت عداوته فيه وقلاه؛ لقوة تمكن حبه لربه الذي إلى ذلك هداه وقربه إليه وأدناه، فقال: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾؛ أي من اليهود والنصارى والصابئين وجميع المشركين، الظاهر شركهم بالجحود، ثم قال: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾؛ أي غير طريق أولئك المشركين، وغير طريق المنافقين من أهل الإقرار، الذين هم في الحكم الظاهر دون الباطن الحقيقي؛ أنّهم من المسلمين من المخالفين لدين الله رب العالمين باستحلال من تأويل الضلال، أو بانتهاك لما يدينون بتحريمه من دين ربهم ذي الجلال، فهم على ثلاث فرق في ضلالتهم، وكأنه تبرأ من الجميع منهم لله ذي الجلال والكمال. وهذا هو التأويل الصحيح في الفريقين، لا كما تأوله قومنا أنه أراد تعالى بالمغضوب عليهم اليهود، وبالضالين النصارى، فيكون كأنه لم يبغض ولم يقل ولم يتبرأ إلا من هؤلاء القسمين من أقسام الضالين والمغضوب عليهم من جميع المشركين أهل الإنكار، ومن جميع المنافقين من أهل /116/ الإقرار، فيقصر ويسيء الأدب في تلك الحضرة؛ إذ لم يَقْلِ كل من خالف الله تعالى المولى جل وعلا، وهذا محال صوابه مع ما وصف الله المولى بهذه الآيات بكمال صفات وليه، هذا الذي كاشفه بمعرفته ومعرفة حقائق الأمور، فبالغ الباري سبحانه في وصفه بأكمل الصفات، التي لا يعلم غاية تناهي درجاتها إلا