الجزء 19
الجزء ١٩ · صفحة ١٢٠هو سبحانه جل شأنه؛ لأن مكاشفة الله أولياءه أهل الكشف بقوة الحضور إليه، والمشاهدة له بصفات ذاته وصفات أفعاله في المخلوقات، وصفات المخلوقات مع الله وأحوالهم، وما أريد بهم وفيهم ومنهم في الدنيا والآخرة، أمر لا يتناهى ولا نهاية له في حق علم الخلق؛ لقوله جلّ ذكره: ﴿قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ [الكهف:109]، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ [لقمان:27].
فكل ذرة من ذرات الوجود هي آية لله، وكلمة لله ناطقة بلسان في كل حين بجميع توحيد الله وناطقة بأنه [لا نهاية](1) لصفات الله في توحيده، وإن تحديدها بالنهاية غير حق؛ لأنها على خلاف ذلك، كذلك بلسان الحال. ويمكن أن تشهد لله بالربوبية /117/ بلسان المقال، وأن كل شيء يعرف الله تعالى من ناطق وجماد لثبوت جواز القراءتين من قوله: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء:44] بالتاء المثناة الفوقية، ومراد الباري: نحن العباد لا نفقه تسبيحهم، كما لا يفهم لغة الطير والحيوان غير الناطق بالحروف؛ لأننا لا نفقه كلام من لم يكن كلامه بالحروف، ولا نفهم مع ذلك كل قوم إلا لغتهم، وقال تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت:11]. قيل: جمعهما جمع من يعقل؛ إذ حكى عنهما القول، وقولهما كذلك بلسان الحال. وقيل:
(1) هذا في ق. وفي الأصل: لأنها اية.