الجزء 19
الجزء ١٩ · صفحة ١٢١جمعهما؛ لأنها(1) يعقلان الخطاب، وإن كانتا لا يعقلان كلام المخلوقين، وأنهما عقلاه وأجابا كذلك بما جعل لله لهما من الكلام بغير الحروف ولا الصوت. كما حكى سبحانه عن الطير قوله للنبي سليمان بن داود ? فقوله هو كذلك لا بالحروف؛ لأن الطير غالبه لا ينطق بالحرف، حتى خطابه للنبي سليمان لقوله تعالى حاكيا عن قول(2) سليمان - عليه السلام -: ﴿عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ﴾ [النمل:16]، ولم يقل علم الطير منطقنا، بل كان سليمان - عليه السلام - هو الذي يفهم منطق الطير، فصح أن علم المكاشفة لا يتناهى في حق علم العباد بما يكاشف الله /118/ من عباده، وأنه قد أكمل الله الوصف بكمال هذا الولي الذي وصفه بآيات هذه السورة، فأنى يصح أن يقصر في حق الله ويسيء الأدب بالتقصير، وهو الذي أدبه، وإليه جذبه عن جميع الأغيار فقربه. ولكن مخالفونا لا تسمح نفوسهم بأن يحكموا على من خالف دين الله عمدا وعنادا وهو من أهل الإقرار بالجملة؛ أن يكون حكمه من أهل الضلال والكفار، ولذلك يتأولوا في الفريقين للمشركين والمنافقين، وهذا اسمان كل اسم يخص فريقا منهما، ولا يجوز إطلاقه على الآخر بمعنى الحكم به عليهم بأحكام معناه.
بيان: فمن كان كذلك حاله، وصفّ قدميه ليصلي وسيلة إلى الله مولاه، وقربه إليه سبحانه الذي إلى ذلك هداه، وهنالك تولى أدبه وأدناه ركعتين، وهو في صفاته على أحوال: الأولى: أنّه فهم كلام الله تعالى فهو يتلوه كما أراد به المولى. الثانية: أنّه يتلوه مع فهمه بقوة الحضور بمعانيه وجميع الهمة؛ لأنه يمكن أن