الجزء 19
الجزء ١٩ · صفحة ١٢٥وجلس أحدهما بين يديه، وأقبل بوجهه إليه متأدبا بأكمل الآداب، لا يلتفت يمينا ولا شمالا، خاضعا له شكرا لإحسانه، ولأداء حق واجبه عليه، وكان عند الملك كثير من الأصحاب، منهم: أهل عدم وبلادة وبله؛ ما وقفوا معه إلا ضرورة لحاجتهم للأكل والشرب لا غير، وفيهم من هو سيء الآداب، ولكن لزموا الصمت لهيبة الملك، وعند الملك أيضاً من الأصحاب من هم في صفاتهم، رزان(1) قد تنورت عقولهم بنور العلم والحلم والتقوى، وتريشوا برياش السكينة والوقار. وجاء /123/ الرجل الآخر من الرجلين إلى حضرة هذا الملك، وقعد بين يديه، وأدبر به في قعوده، فجعله وراء ظهره، وأقبل بوجه إلى أحد من الحاضرين من أهل البله والبلادة، وانبسط بالكلام له، وكلمه البليد رميا لا معنى له، فأعجبه الإصغاء إلى كلامه ومحادثته، ولم يزالا(2) كذلك، وفي أثناء كلامه قال للملك: دعوتنا فأجبناك، وما الذي تريده، فلك السمع والطاعة. فقال له الملك: أقبل إلينا حتى نخاطبك، فنهاه البليد، وقال له: لا تقبل إلى هذا الملك، بل أقبل إليّ، فسمع له وأطاعه. وقال للملك: أنت قل ما شئت من أمر ونهي فإنا نسمع كلامك، وأخذ يكلم البليد، وكلما كلمه الملك قال له: السمع والطاعة. كذلك حتى انقضى الأمر وحضر الأكل، فأكرم الملك الرجلين، وخلع عليهما الخلع من اللباس وغيره، وكانت كذلك(3) عادة كل منهما في المجلس، وكان هذا الذي يقبل عليه يأتيه كل يوم خمس مرات بتلك الصفة، ويأتيه هذا