الجزء 03
الجزء ٣ · صفحة ١٤لا يتكلم على ما لا يقع له علمه من كلام خصمه؛ فإن الجواب لا يصح عما لم يفهم ولم يتصور مراد خصمه فيه، وبأن يكون كلامه قصيرا بليغا جامعا، فإن التحفظ من الزلل مع الإقلال دون الإكثار، وفي الإكثار أيضا ما يخفي الفائدة، ويضيع المقصود، ويورث الخصمين الملل، ولا يرفع صوته عاليا فيشق حلقه، ويحمي صدره و يقطعه؛ لأن رجلا من بني هاشم تكلم عند المأمون واسمه عبد الصمد، فرفع صوته فقال المأمون: "لا ترفع صوتك يا عبد الصمد، إن الصوت /5/ في الأَسَدّ لا في الأشَدّ"، ولا يخفيه إخفاء لا يسمعه الحاضرون فلا يفيد شيئا، وأن يتوقى(1) الكلام في حال زواله عبد (خ: عن) حد(2) اعتداله بغضب أو فرط فرح، أو كلب جوع، أو غلبة نعاس، أو شدة وجع، أو حقن بول، أو في محفل تأخذه هيبته؛ فإن ذلك يشغل قريحته ويقطع مادته، ولا يتكلم بمحضر جماعة يشهدون لخصمه بالزور، ويوزون بكلامه، فإنه لا يتمكن من قصره الحق إلا مع الإنصاف، وترك العبث والإجحاف، وبأن يكون منقادا للحق إذا بان له؛ لقول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزُّمَر:18] الآية.
مسألة: وأن ينصت(3) لمجادله حتى يبلغ بالكلام آخره، ولا يزاحمه في المقال، ومن حقه أن يقبل عليه ولا ينحرف عنه بوجهه، فإنّ الازدحام في الكلام يغني خاطر كل واحد من المتكلمين، ويخفي معه الصواب من كل واحد من