قاموس الشريعة الحاوي طرقها الوسيعة جميل بن خميس بن لافي السعدي أبو محمد

الجزء 19

الجزء ١٩ · صفحة ٢١٤

مولاه، بدلالة أن ما غيره أكبر منه لا يصلح إلا أن يكون أصغر وأذل وأحقر؛ فلا يكون وجوبا إلا عبدا مربوبا، مألوها ومخلوقا ومدبرا ومرزوقا.

ومن اعترف لنفسه بالعبودية، وأعطاها من صفاتها حقها اللازم لها عرف /216/ بالضدية ما يجب عليه من حقوق الربوبية، فيقال: عبوديته بالربوبية، وضعفه بالقوة، وعجزه بالقدرة، وجهله بالعلم، وحمقه بالحلم، وبخله بالكرم، وحقارته بالعظم، وذله بالعز، وضعَته بالعلو، وفقره بالغنى، وموته بالبقاء(1)، وهكذا. ثم ليعلم به أن من كانت حقيقته العبودية، وصفته الجهل والحقارة والذل وعدم مطلق القدرة؛ أنه لا يقوم إلا بقائم عليه يفيض من رزقه إليه ما لا يستغنى بدونه لقوامه، فذلك هو ربه الحي القيوم الذي أمده بإنعامه، وهو الذي صح معه أنه أكبر من كل كبير، وأن كل ما سواه فهو محتاج إليه فقير ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل:53].

ومن عرف هذا أنه المنعم الكريم الذي يكشف الضر؛ فبالضرورة يلزمه له الحمد والشكر؛ لأنه من حق من كبُر وتعالى عن صفات العبودية الذميمة، واتصف بنعوت الربوبية العظيمة، ولا شك أن من هو منزه عن تلك الأوصاف الدنيئة؛ فهو مستحق لهذه الصفات العلية، لعدم الثالث الذي صح بُطلُه بالبرهان، وظهر غيره للعيان، فهو الذي بصفاته الجميلة يذكر، وعلى جزيل آلائه وأياديه الجليلة يحمد ويشكر؛ لأن غيره لا يجوز عليه /217/ فهو عنه أكبر، وهذا هو معنى الحمد لله.

(1) هذا في ث. وفي الأصل: البقاءة.