الجزء 19
الجزء ١٩ · صفحة ٢٣٤ألا فتجرد عن هواك، وفرغ القلب لمولاك، وقم له بطرف خاشع وقلب خاضع، ونفس مطمئنة، وجوارح ساكنة لينة، قد ظهرت عليك الكآبة والخشوع، وزادت منك الإنابة والخضوع، فإنك في مقام ذي جلال واحترام، بين يدي من له الملك والملكوت /243/ والعزة والجبروت.
وجلاله لا يتناهى، وعزه لا يباهى، تسبحه الأفلاك والأملاك، وغاية العقول فيه قصورها عن الإدراك، فكن بين يديه ذليلا، وجلا خائفا خجلا، تطيعه طربا، وتدعوه رهبا، وترجوه رغبا، وتخشاه رعبا، وتهابه إجلالا، فتناجيه امتثالا، وتصفه بما تشاهد من عظمته جلالا، فتقول لسانك، ويشهد جنانك، بما أبداه بيانك من تحقيق قولك: "الله أكبر".
وكن على خدمته مستديما، وعلى شرع محبته مستقيما، فإن من لاس من كأس المحبة وذاق؛ حنّ إلى قربه، فاشتاق إلى وصاله وتاق، فإن استغرق به في شهوده، فانيا عن وجوده؛ فقد فاز من العرفان بشرب ريقه المختوم وعثر من المحبة بكنزها المطلسم المكتوم، وما يلقاها إلا الذين صبروا على جهاد النفس لمولاها الكريم، وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم.
وفي ضمن هذه الطريقة معانٍ دقيقة الأسرار، لا يكاد يهتدي إليها إلا من تجرد للسلوك بعلم الحقيقة، /244/ أعجبني التنبيه على شيء منها تذكيرا، وإن لم أكن بها خبيرا، عسى أن يذكر من ينيب، فيهتدي إلى البحث عن بنائها العجيب، فيصل إلى الرضا من القريب المجيب.
فخذ أيها الواقف بما كان حقا من مقالي، ولا تردنه لما ترى أو تسمع من خسة حالي، لاضطراب خواطري، وتشوش بالي، وكثرة غفلتي وسهوي، لفرط تقصيري ولهوي، واشتغالي بالحظوظ النفسية، عن الحقوق القدسية، فإني لنفسي