الجزء 03
الجزء ٣ · صفحة ٢١خوف الغوائل(1) والوقوع في الرذائل، على منهج الاجتهاد في طلب السلامة وإصابة العدل، أو في مسألة خلافية قد وقع الاختلاف بين القائلين فيها، فيطلب الدلالة على الأصح منها والأرجح؛ /11/ إذ لم يجد من ذات نفسه دلالة يستدلّ بها على الأقوى من تلك الأقاويل الجائزة (ع: الجارية) بين الفقهاء في تلك النازلة، أو في مسألة قوميّة لم يدر ما هي أَحَقٌّ أو باطل، وأراد الاطلاع على ذلك ليأخذ أو يدع، وسلم صدرُه من تلك الآفات المذمومات المحرمات، والكذب والغيبة والحقد والعداوة، وخلصت نيّته لله في جميع ذلك، فذلك كلّه محمود، وهو دأب كلّ راسخ في العلم من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، والتابعين لهم بإحسان، ولو أنّ المناظر لم يزل يناظر من يناظره في الأديان والأحكام، من أديان أهل الخلاف في الدّين، دع أنت المناظرة في ديننا، ويحتج عليه في ذلك بحججهم، وأراد بذلك إثبات الحق العدل، وإزهاق الباطل، ما كان في ذلك بملام، ولا عليه في ذلك لائمة، بل له في ذلك المدح والفضل، كذلك صح عن المسلمين فعلا وقولا.
ولقد حكي عن بعض المسلمين أنه كان يناظر بعضا من المسلمين من أهل العلم والبصر في أديان أهل الخلاف، ويحتج عليه فيما يناظره فيه وعليه، يحتج عليه بحججهم حتى يفلج(2) عليه، ويقول له مع ذلك: "لو كنت على هذا لبرئت منك"، ولم يبرأ منه، ولم ينكر عليه تلك المناظرة له في ذلك، ولم يغير عليه ذلك الاحتجاج، ولو كان ذلك باطلا لما وسع المناظر أن يناظر على ذلك، ولا
(1) الغَوائل: الدواهي. لسان العرب: مادة (غول).
(2) فالَجَ فلاناً فَفَلَجَه يَفْلُجُه: خاصَمه؛ فخصَمَه وغَلَبَه. لسان العرب: مادة (فلج).