الجزء 03
الجزء ٣ · صفحة ٢٥ذلك الأمثال التي يعقلونها، وما يعقلها على الحقيقة إلا أولوا الألباب.
مسألة: ومنه: فإن قال: أليس قد قيل: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا يجادل إلا منافق أو مرتاب»(1)؟ قيل له: نعم، قد قيل: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال ذلك، إلا أنه قد صح معنا عنه - عليه السلام - أنه قال: «ما من كلام إلا وله وجهان، ألا فاحملوا الكلام على أحسن وجوهه»(2)، ومن أحسن وجهه (خ: وجوهه)(3) التي يحمل عليها أن يحمل على معنى الخصوص فيمن يجادل بغير الحق ولغير الحق؛ لا(4) على معنى العموم في كل مجادل، وذلك ما لا يسع أن يقال: إنه عام في كل مجادل؛ لأن الله تعالى وأنبياءه ورسله قد جادلوا أهل الشرك بالآيات والحجج العقليات، وما كان لرسول أن يأتي بآية ولا برهان إلا بإذن الله، والجائز الثابت /16/ أن يكون ذلك خاصا من يجادل بغير علم ولا دليل ولا سلطان، إلا على سبيل اتباع الهوى وما تهوى الأنفس، ومن يجادل بغير الحق ليثبت الباطل ويبطل به الحق، أو يريد إثبات مقالات قالها، فجودل فيها ولو كانت من الباطل، وظهر له العدل في قول مخالفه صراحا، فلا يكاد يرجع عن ذلك جزما كراهة الرجوع أو غيره، أو غضبا أو حسدا، أو رياء الناس؛ لئلا يقال: غلب طلب المدحة والجهل من الناس، وخوف التقليل لعلمه حبّ الخيلاء والفخر والثناء والاشتهار في الأقطار، ومن يجادل لغير معنى، ولا رجاء نفع، ولا إزالة ضرر على سبيل العبث،
(1) أورده الماوردي في أدب الدنيا والدين، 1/ 45.
(2) ورد في مسند الربيع بلفظ قريب، باب صخرة بيت المقدس، رقم: 880.
(3) زيادة من ث.
(4) ث: لأن.