الجزء 19
الجزء ١٩ · صفحة ٣٨١من الشيع. والحجة لهم في ذلك قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «جعلت لي الأرض مسجدا وترابها طهورا»(1)، فلولا الإجماع لم يجز السجود إلا على أديم الأرض وحده.
فلما اتفقوا على جواز ذلك على الأرض وما أنبتت؛ وجب التسليم للإجماع، وبقي الباقي في جملة ما لم يؤمر بالسجود عليه، والمجوز للسجود على شيء طاهر غير ما أنبتت الأرض محتاج إلى دليل، وكره أصحابنا السجود على الثياب [ … ](2) والفضة والذهب، وإن كان ذلك مما أنبتت الأرض كراهية تأديب؛ لأن تركهم الأمر بإعادة الصلاة لمن سجد على ذلك يدل على ما قلنا، والله أعلم.
ولا أظن كراهيتهم للسجود على بعض ما دخل في /395/ جملة الإجماع إلا التواضع والتذلل لله تعالى في حال السجود، ولأن في إجازة ذلك ما لم يؤمن معه من دعاوى الفخر والخيلاء، وما يدخل صاحبه في زي الأعاجم والمترفين والمتنعمين لما كانوا عليه من الاقتداء بالعمل بالسلف الصالح؛ أهل التواضع والتقشف، ولبس الخشن وأكل الخشن والاقتصاد في المطاعم والمشارب.
وكذلك كرهوا الركوب على سروج النمور، ومنعوا عن ذلك؛ لأن فعل ذلك وإباحته منهم لا تؤمن معه من الدخول في قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من جرّ ثوبه في مخيلة لم ينظر الله إليه يوم القيامة»(3). وقد روي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أهديت إليه حلة فلبسها في الصلاة، فجعل ينظر إليها وفي محاسنها، وهو في الصلاة، ثم نزعها
(1) أخرجه الربيع، كتاب الطهارة، رقم: 167. وأخرجه بلفظ قريب كل من: أبي داود الطيالسي في مسنده، رقم: 418؛ وابن خزيمة في صحيحه، كتاب الوضوء، رقم: 264.
(2) بياض في النسخ الثلاث، ومقداره في الأصل: كلمتان.
(3) أخرجه البخاري، كتاب اللباس، رقم:5791؛ والنسائي، كتاب الزينة، رقم: 5328؛ وأحمد، رقم: 5014.