قاموس الشريعة الحاوي طرقها الوسيعة جميل بن خميس بن لافي السعدي أبو محمد

الجزء 19

الجزء ١٩ · صفحة ٤٦٧

وخالفنا بعض أهل المذاهب الأربعة؛ أنكروا سجدتي الشكر، ولم يجيزوهما، وقالوا: إنهما بدعة لم يفعلهما النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولو كان ذلك حسنا وأفضل لفعلهما، وفي كتابهم: «إن النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا أحدث الله له نعمة سجد سجدتين شكرا لله تعالى»(1)، فكيف يصح قولهم مع ذلك أنّه لم يفعلهما، وأوائلهم هم الرافعون عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وذلك على العموم في كل نعمة يحدثها الله تعالى عليه، وأعانه الله تعالى له على تمام كل صلاة يصليها؛ هي نعمة محدثة من الله تعالى عليه، وكذلك ينبغي، وقال حاكيا عن النبي داود - عليه السلام -: ﴿أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ [ص:24]. /480/ يحتمل أنّه صلى وركع وسجد، ويحتمل أنّه سجد من غير أن يصلي، فلما كان يحتمل الوجهين كان كل منهما حسنا فعله، وإن كان هو قد فعل أحدهما، ولكن لمّا بيّن الله تعالى أحد الوجهين؛ ذكر الوجه الذي فعله، وأبهمه ليدخل الوجه الآخر لمن شاء أن يفعل أيهما شاء، وذلك الخشوع لله تعالى، ولما أنعم عليه حين نبّهه على الأمر الأحسن له فيما بينه وبين الله تعالى، وخضوعا لله في أوبته إليه، ولم يقل: "وتاب"، بل قال: "وأناب"؛ دليل على أنّه يفعل أمراً غير جائز له، بل نبهّه الله تعالى على الأمر الأصح قبل أن يعمل بالأوهن، فلذلك خر ساجدا شكرا لله تعالى، فصح أنّه كل عمل هو طاعة لله تعالى بلا اختلاف، فبالإجماع أنّ(2) فعله من الوسائل لله تعالى.

(1) أخرجه بمعناه كل من: أبي داود، كتاب الجهاد، رقم: 2774؛ والترمذي، أبواب السير، رقم: 1578؛ وابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، رقم: 1394.

(2) هذا في ق. وفي الأصل: أنه.