الجزء 03
الجزء ٣ · صفحة ٥٦على الإجماع صح من حيث علم أن الإجماع واقع على أنه لا شبيه له. وثانيها: ما يحكم الإجماع بفساده فيجب إلقاؤه، ومثاله قوله تعالى: ﴿تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا﴾ [الجن:3] لما احتمل الجدّ في اللغة أن يكون بمعنى أب الأب، وإذا عرض على الإجماع حكم بفساده؛ إذ لا خلاف بين الأمة أن ليس له أب ولا أب أب. وثالثها: أن يُجوّزَ كلاّ من المعنيين، ولا يقضي بفساد أحدهما ولا على صحته، مثاله: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة:228] يحتمل القرء في اللغة أن يكون بمعنى الحيض، وأن يكون بمعنى الطهر، والإجماع يُجوّز كلاّ منهما، فلا يجوز أن يثبت أحدهما دون الآخر. ورابعها: أن يُجوّز بعض تلك المعاني ولا يُجوّز بعضها، فما يجوز أولى مما لا يجوز، مثاله: ﴿الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص:2] احتمل في اللغة أن يكون بمعنى المصمت الذي لا جوف له، واحتمل أن يكون بمعنى السيد المقصود في الحوائج، فلما جوز الإجماع أن يكون الله تعالى سيدا مقصودا إليه، بل أوجبه، ولم يحصل إجماع على أنه مُصمَتٌ، ولا على إجازة كونه كذلك، كان ما أوجبه الإجماع أولى مما لم يوجبه ولا أجازه. انقضى ما نقلناه من بعض كتب المعتزلة.
فصل: ومن كتاب العدل والإنصاف: اعلم أن الخطاب الوارد من الله سبحانه، ومن الرسول (/37/ ومن الأئمة الخلفاء الراشدين الهادين المهتدين الذين يقضون بالحق وبه يعدلون ?، لا يخلو من أن يكون حقيقة أو مجازا؛ فالحقيقة: كل لفظ استعمل لما وضع له. والمجاز: كل ما وضع لغير ما استعمل له؛ كقول العرب: "هذا أسد" للشجاع، وبحر للسخي، ونجم للاهتداء، وقال الله - عز وجل - في محكم كتابه في عقلاء مبصرين سميعين: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:171]، ومعلوم أنهم يسمعون ويبصرون، ويتكلمون ويعقلون؛ لكنهم تصامموا وتباكموا وتعاموا، وفعلوا أفعال من لا يعقل ولا يسمع