الجزء 03
الجزء ٣ · صفحة ٦٢ويكون الاستخبار استخبارا واستفهاما وتقريرا وإنكارا وتوبيخا وتعجبا ومثلا. فصورة الأمر وصيغته يشترك مع غيرها في صيغها، فمع الندب قول الله - عز وجل -: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج:77]، ومع الإذن: ﴿افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ [الصافات:102]، ومع الإطلاق: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [الجمعة:10]، ومع الإباحة: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة:2]، ومع الوعيد: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فُصِّلَت:40]، ومع التحدي: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِي﴾ [البقرة:23]، ومع التعجيز: ﴿كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا (50) أَوْ خَلْقًا مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الإسراء:50،51]، ومع النداء: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف:158]، ومع الدعاء: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا﴾ [آل عمران:147]، ربنا ارحمنا(1)، ومع التكوين: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ [النحل:40]، ومع التعجب: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾ [مريم:38]؛ أي: ما أسمعهم بهم وأبصرهم، ومطلق الأمر هو الأصل مع مطلق غيره؛ إذ لا بد لغيره من ذكر القرينة والتقييد.
فصل: وإذا ورد الأمر من الله - عز وجل - اقتضى الوجوب دون الندب، قال الله - عز وجل -: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور:63]، خلافا لمن قال من الأشعرية: إنه يحمل على الندب، ولمن(2) قال بالوقوف أيضا فأطلق ولم يقيد، فوجب أنه على الوجوب، /52/ قال الله
- عز وجل -: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا﴾ [الأحزاب:36]، وقوله أيضا: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ (48) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات:48،49]، وذكره في معرض الذم، وقوله - عز وجل - لإبليس: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف:12]، ولو ساغ فيه الندب لاعتذر به إبليس اللعين. وقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لبريرة في أمر زوجها مغيث: «لو راجعته؟»، فقالت: يا رسول الله أفبأمرك؟ فقال: «لا إنما أنا شافع»، فقالت: لا حاجة لي به(3)، ففرق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما بين الشفاعة والأمر؛ لأن طاعته في الشفاعة مندوب إليها، وأمره واجب، ولو قال لها: عن أمري، لما تخلفت عن مراجعته، ومما يؤكد هذا قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة وعند كل وضوء»(4)، ومعلوم أنه ندبهم، فصح أنه لم يأمرهم، والدليل أيضا على وجوب الأمر عقلا أن السيد إذا قال لعبده: "اسقني ماء" أو "قم" أو "اقعد" فلم يسقه ولم يقم ولم يقعد، حسن من السيد ومن كل أحد لومه وتوبيخه وعقوبته، فهذا دليل الوجوب، فعارضوا في هذا بقول السيد لعبده: /53/ "البس هذه الخلعة" أو "البس هذا التاج" أترونه عاصيا إن لم
(1) الآية: ﴿وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا﴾ [البقرة:286]. ﴿فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا﴾ [الأعراف:155]، [المؤمنون:109].
(2) ث: من.
(3) أخرجه بلفظ قريب كل من: البخاري، كتاب الطلاق، رقم: 5283؛ وأبو داود، كتاب الطلاق، رقم: 2231؛ والنسائي، كتاب آداب القضاة، رقم: 5417.
(4) أخرجه الربيع، كتاب الصلاة ووجوبها، رقم: 221. وأخرجه دون قوله: «عند كل وضوء» كل من: أبي داود، كتاب الطهارة، رقم: 47؛ والترمذي، أبواب الطهارة، رقم: 22.