الجزء 03
الجزء ٣ · صفحة ٦٩جميعا أن الاصطياد والانتشار غير واجبين، /59/ وأما الذي يدل على التكوين دون امتثال الأمر، فمثل قوله - عز وجل -: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [الأعراف:166]، فقد تقدمت المعرفة أنهم غير قادرين على تكوين أنفسهم قردة، فدلت المقدمة على التكوين دون امتثال الأمر، والله خاطبنا بما تعقل(1) العرب في خطابها، والعرب تسمّي "افعل" و"لا تفعل" أمرا ونهيا، فإذا أمر من تجب طاعته والانقياد لأمره، كان على المأمور إتيان ما أمر، والله أعلم.
مسألة: وقيل: إن الخطاب إذا ورد مطلقا فظاهره خطاب معروف وهو على إطلاقه، وإذا ورد مقيّدا فهو على تقييده، ألا ترى لو أنه قال قائل: "فلان كافر" كان ظاهره أنه كافر بالله، وإن كان يحتمل أنه أراد الطاغوت، وكذلك لو قال: "فلان مؤمن" في الظاهر إنه مؤمن بالله، وإن كان يحتمل أنه أراد القائل أنه مؤمن بالطاغوت، وقوله - عز وجل -: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة:95]، ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام:121]، فهذا الخطاب يوجب تحريم كل طعام لم يذكر اسم الله عليه من حيوان أو غيره؛ إذ ليس في نفس الآية(2) تفصيل الآية طعام من طعام، فلما اتفق أهل الإسلام على أن المقصود في هذه الآية هو الحيوان دون غيره، صح أن الآية خاصة، وإن كانت في الظاهر عامة، وجاء في التفسير أن المشركين قالوا للمسلمين: لم تأكلون ما قتلتم /60/ -يعنون ما ذكيتم- ولا تأكلون ما قتل الله لكم -يعنون الميتة- فأنزل الله
- سبحانه وتعالى -(3): ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام:121]، وقوله - عز وجل -: ﴿لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:13]، وقال جل ذكره: ﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [يونس:95]، فكان ظاهر هذا الخطاب يدل على الخصوص، فلما قال: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [الشورى:40]، كان ذلك القول دليلا على أن هذا الفعل محرم على كل من فعله من المخاطبين، وكذلك قوله: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء:36]، فعرّف السمع والبصر والفؤاد بالألف واللام، ولم يتقدم لشيء منها ذكر، فاستدللنا على أنه إنما قصد بالتعريف إلى الجنس، فكان كل سمع وبصر وفؤاد فعل صاحبه ذلك الفعل فهو مسؤول عنه، وصار كل من قفا ما ليس له به علم مأزورا في فعله، وإن كان ظاهر النهي خاصا للمخاطب في نفسه.
وأما قول الله تعالى: ﴿لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ﴾ [الحجرات:11]، فدل هذا على أن من سخر على ما هو شر منه فلا شيء عليه، إذ النهي وقع على من يمكن أن يكون خيرا ممن سخر منه، ونظير ذلك قول الله جل ذكره: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [التوبة:79]، /61/ وكذلك قوله - عز وجل -: {وَلَا تَنَابَزُوا