قاموس الشريعة الحاوي طرقها الوسيعة جميل بن خميس بن لافي السعدي أبو محمد

الجزء 03

الجزء ٣ · صفحة ٧٤

وإذا قال القائل: "واحد" فقد أخبر عن أدنى العدد، وإن /65/ قال: "اثنين" فقد أخبر عن تثنية العدد، وإن قال: "ثلاثة" فقد أخبر عن جمع عدد هذا أقله، وإن قال: "ثوب" فقد أخبر عن جنس وأدنى العدد، وإن قال: "ثوبان" فقد دل على التثنية والجنس، وإن قال: "ثلاثة أثواب" دل على الجنس وعلى أدنى الجمع، ومن لم يعرف موضع الخطاب لم يعلم فائدة الكلام، والتبس عليه ضروب الخطاب، ثم إن الله تبارك وتعالى جعل الخطاب للفائدة والإفهام، وليعلم المأمور إرادة الآمر ومراد المخاطِب، والحكيم لا يخاطب بما لا فائدة فيه، ولا يأمر بما لا يفهم عنه؛ لأنه لا يمكن أن يأمر أحدا بالقعود وهو يريد القيام؛ لأنه يأمر ليمتثل أمره، فإذا لم يبين مراده لم يكن أن يمتثل أمره، ولم يتهيأ أن يعتقد طاعته فيما كلفه إياه، وإذا كان ذلك كذلك لم يجز [تأخير] البيان عن وقت الخطاب لتمام فضل الكلام؛ لأن تأخيره يوجب اعتقاد غير ما ظهر؛ لأنه إذا خاطب بظاهر الإطلاق والعموم وهو يريد التقييد والخصوص، ثم لم يقرنه بدلالة تبين عنه، كان قد ألزم عباده أن يعتقدوا خلاف ما أراده منهم، فتعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، فالخطاب إذا ورد فلعمومه صيغة، ولكلّ وجه من وجوه الخطاب صيغة يعرف بها حكمه، ويدل المخاطب بها على معناه، /66/ ولن يجهل ذلك أو شيئا منه أحد من أهل اللسان والمعرفة به من أهل اللغة والبيان، غير أن العرب لسعة لغتها وكثرة معاني كلامها تُعبّر عن الخصوص بلفظ العموم، وعن العموم بلفظ الخصوص، وعن الحقيقة بلفظ المجاز، وعن المجاز بلفظ الحقيقة، وهذا معروف بينهم، ومنسوب عندهم، وعليه أدلة موضوعة من مقدمة الكلام وصلته، وبالإشارة المعهودة عندهم، وعلى ما يتعارفونه بينهم، فما فرق به الدليل نقل عن موضعه وصيغته، وعلى هذا النحو جرت المخاطبة من الله تعالى في محكم كتابه،

٨٩٠ / ٣٦٬٧٥٥