الجزء 03
الجزء ٣ · صفحة ٧٥خاطبهم باللسان العربي البيّن، فعلى هذا يجب أن يعتبر الخطاب إذا ورد من الله جل ذكره أو من رسوله - صلى الله عليه وسلم -، فما ورد بلفظ العموم أجري على عمومه، ما لم يخصه دليل الخصوص، وما جاء بلفظ الخصوص أوقف على خصوصه، ما لم يطلقه دليل العموم، وفي هذا المقدار كفاية لمن أراد الله إرشاده، والله أعلم.
مسألة: والخطاب إنما يرد من الله - عز وجل - بلغة من يخاطبه؛ لأنه مريد لأفهامهم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم:4]، فالقرآن نزل بلغة القوم الذين بعث فيهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، /67/ وهو مشتمل على ضروب من الخطاب، فمنه المفسر الذي يستغنى بلفظه عن بيان غيره، ومنه المجمل الذي لا يستغنى عن معرفة بيانه، ومنه المحكم الذي يعرفه السامع، ومنه المتشابه الذي يفكر في تأويله العالم، ومنه ما يحتمل الوجوه التي لا يجوز القطع على شيء منها إلا بدليل يعلم من المراد منها، ومنه الإيجاب واللازم، ومنه الترغيب والإرشاد، ومنه الغرض والندب، ومنه الإباحة والحظر، ومنه الكناية والتصريح، ومنه الحقيقة والمجاز، ومنه الخصوص والعموم، ومنه التعريض والإفصاح، ومنه الإطالة والإيجاز، ومنه التكرير والحذف، ومنه الإشارة والتلويح، ومنه التأكيد والترديد، وكل ذلك يعرف في لغة العرب على حسب اختلاف هذه الضروب تختلف معاني أحكامها، ولكل ضرب منها صورة يعرف بها، وصيغة وضعت له يعرف السامع مراد المخاطِب وغرض المتكلم، فمن عرف ذلك وضع الخطاب موضعه، ولم يعدل به إلى غير جهته، ومن قصر علمه عن شيء من ذلك الْتَبَس عليه ما قصر علمه عنه، ولن يدرك ذلك من لم يكن عاقلا مميزا، فالواجب أن يعتبر كل خطاب بحسب المعروف في اللسان؛ لأن منه