الجزء 03
الجزء ٣ · صفحة ٧٧لأصحابه: «سلوني ما شئتم ولا يسألني أحد منكم عن شيء إلا أخبرته»(1)، فقال الأقرع بن حابس: يا رسول الله الحج واجب علينا كل عام؟ فغضب - صلى الله عليه وسلم - حتى احمرت وجنتاه، وقال: «والذي نفسي بيده لو قلت: "نعم" لوجبت، ولو وجبت لم تفعلوا، ولو لم تفعلوا لكفرتم، ولكن إذا نهيتكم عن شيء فانتهوا، وإذا أمرتكم بشيء فأتوا /69/ منه ما استطعتم»(2)، ففي هذا الخبر دليل على أنّ الأمر بالفعل لا يوجب إلا فعلا واحدا، إلا أن تقوم دلالة(3) بتكرير، والله أعلم.
مسألة: وأما الإضمار فمثل قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء:23]؛ أي: تزويج أمهاتكم. وأما الكناية فقوله تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ﴾ [البقرة:187]، ومثل قوله: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ﴾ [النساء:43]، فذكر الموضع وأكنى عن السبب الذي يكون فيه، وكذلك العذرة هي فناء الدار سميت للأنجاس التي تلقى فيها باسم المكان، ومن لطيف الكناية ما ذكر الله تعالى في كتابه ردا على من قال من النصارى: إن عيسى هو الله، فقال تعالى: ﴿مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾ [المائدة:75]، فكنى بذكر الأكل عن ذكر البول والغائط؛ لأن من يأكل ويشرب يبول ويتغوط، ومما يدخل
(1) أخرجه الربيع بلفظ قريب، كتاب الحج، رقم: 394؛ وأخرجه بمعناه كل من: البخاري، كتاب مواقيت الصلاة، رقم: 540؛ ومسلم، كتاب الفضائل، رقم: 2359.
(2) أخرجه الربيع بلفظ قريب، كتاب الحج، رقم: 394. وأخرجه بمعناه كل من: مسلم، كتاب الحج، رقم: 1337؛ والنسائي، كتاب مناسك الحج، رقم: 2619.
(3) زيادة من ث.