قاموس الشريعة الحاوي طرقها الوسيعة جميل بن خميس بن لافي السعدي أبو محمد

الجزء 03

الجزء ٣ · صفحة ٨٧

القياس في هذه المسألة، واستعمل هو دليل الخطاب، فالقياس أقوى وأولى من دليل الخطاب، واعلم أنّ تعليق الحكم إلى شرط أو غاية أو صفة أو عدد أو اسم أو توكيد، هذا كله من وجوه دليل الخطاب، فمن استعمل دليل الخطاب أجراها على وجوهها مجرى واحدا، ومنهم من أبطله في الكل /49/ حتى يأتي بيان غيرها، ومنهم من أثبته في أقواها وأضعفه في أضعفها، وأقواها الشرط والغاية والصفة، وأضعفها العدد والاسم والتوكيد، والفرض في دليل الخطاب أن يكون ما عدا المذكور بخلافه؛ لأنّ المذكور على المراد فيه بظاهر الخطاب، وما لم يذكر ذهب به إلى خلاف المذكور، وهذه الأمور في دليل الخطاب يسوغ فيه الوجهان؛ لأنّه غير مقطوع به ما لم يصادم العقليات، فإن صادمها بطل الدليل دليل الخطاب، من ذلك قول الله - عز وجل -: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:15]، فظاهر القرآن أن الكفار محجوبون عن ربهم جل وعز، ودليل الخطاب بأن غيرهم من المؤمنين غير محجوبين، فسوغ القول على مذهب أصحاب دليل الخطاب أنهم غير محجوبين.

لكن هذا الحجاب ما هو؟ فإن قالوا: حجبوا عن رؤيته سبحانه، قلنا: حجبوا عن خيره لا رؤيته، وقد يقع الحجاب عليهما جميعا، ومنع شاهد العقل من الرؤية، وإلا كان للغير أن يقول: إنما حجبوا عن المصافحة والمؤاكلة أو المشاربة أو عن الألوهية، والمؤمنون بخلافه، وأكثر كلام العرب إنما يقع الحجاب عن معروف السلطان وخيره لا عن رؤيته، وقد يراه ويحجبه عن خيره، بل يأمر بضرب رقبته، وقد لا يراه ويناله خيره، ولا يقال حجبه /50/ خيره، ومنعنا حجاب الرؤية بقول الله - عز وجل -: ﴿لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام:103]، وأطلقنا حجاب الخير.

٩٠٢ / ٣٦٬٧٥٥