الجزء 03
الجزء ٣ · صفحة ١٠٤فجزموا القول بأنه لا يفهم معنى المتشابه.
وأما قول من ادعى "أنه لا يجوز أن يخاطب الله تعالى بما لا يفهمه أحد"؛ فصحيح لما بيناه في بابه.
وقول من ادعى "أن الراسخين في العلم لا يعلمون تأويل المتشابه"؛ صحيح على ما بيناه من قبل، ومتى ما عرفت معنى التأويل صح ما قلناه؛ وذلك أنّ التأويل هو ما يؤول إليه الأمر، وهو الغرض المقصود بالكلام، فليس كل معنى يسمى تأويلا، إنما يسمى بما كان تضمينا لا تصريحا، /66/ ويسمى بذلك مجازا وتشبيها بما قلناه، ويدل على ما قلناه في معنى التأويل قوله تعالى حاكيا عن يوسف - عليه السلام -: ﴿هَذَا تَأْوِيلُ رُءْيَايَ مِن قَبْلُ﴾ [يوسف:100]، فسمّى سجود إخوته وأبويه له تأويلا لرؤياه، إذا كان ذلك الغرض فيه، وبذلك تسمى عبارة الرؤيا تأويلا أنه يدل عليه، وينبئ عليه بغير الصريح، وقال: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾ [الأعراف:53]، يعني به الموعود به، والذي يدل على أن الراسخين في العلم غير داخلين في الاستثناء أن الواجب في طريقة اللغة أن يكون حكم كل جملة متى ما تعقبت جملة أخرى، وإن تخلّلها الواو الأول، فكل منها مفرد من الآخر؛ لاستقلاله بخبره، ويدلك على ذلك أن الواو إنما أوجب عطف الآخر على الأول في قولك: "خرج زيد وعمرو" من حيث إنّ عمرو لو أفرد من الأول لم يفد، ولو أفاد دون تعليقه بالأول لم يجب عطفه عليه، ألا ترى أنك إذا قلت: "خرج زيد وعمرو قام" لما كان قولك: "وعمرو قام" مفيدا(1) دون تعليقه بالأول، بطل حكم العطف، وكذلك كلّ جملة تعقبت جملة منقطع عنه
(1) ث: مقيدا.