الجزء 03
الجزء ٣ · صفحة ١٠٦وبعد: فكيف يصح /68/ الوقف(1) على قوله: ﴿إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾، وإنما يصح الوقف حيث يمكن الابتداء بما قطع عنه الأول، ويفيد دونه، ولو قطع قوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ عن قوله: ﴿آمَنَّا﴾، لبقي(2) قوله: ﴿يَقُولُونَ﴾ مبتدأ لا يفيد، فصح أن قطعه عنه والوقف غير جائز، ولا يجوز أن يكون ذلك مقطوعا عن الأول مستأنفا؛ لأنه لا يفيد إن لم يعلق الكلام بما قبله، وكذلك كل جملة تعطف على جملة، فلابد من أن يكون لها رجوع إليها بوجه؛ ليستقيم موضع العطف ويظهر حق الواو، وإذا فسد الوجهان صح الثالث، وهو أنه مردود إلى قوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾، فيكون معنى الآية أنه أنزل الكتاب، فمنه محكم ومنه متشابه الحال في الغرض المقصود به، فالزائغ يتعلق بذلك ويتبعه ويقصد لتأويله، والراسخون في العلم يؤمنون به على ظاهره، معترفين بأن الجميع؛ مجمله ومفسره، محكمه ومتشابهه، مبهمه وموضحه منه، فهو صادق في جميعه، وجميعه محكم.
وقوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ اعتراض بين الكلام البين بها عن معرفة تأويله، وقد فسر الله تعالى هذا في موضعين، /69/ فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِ أَن يَضْرِبَ مَثَلًا مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾ [البقرة:26]، فبين أن الله يضرب من الأمثال ما دق، لا يوقف على وجه الحكمة فيه، ولا يعرف المقصود به، فالمؤمن يؤمن به ويعترف بأنه حكمة، وأنه حق لكونه من الله،