الجزء 03
الجزء ٣ · صفحة ١١١في تفسيرها قول تحير(1) من متحير في معناها، فاعرف ذلك.
(رجع)(2) فإن قيل: فلمَ أنزل بعض كتابه متشابها يحتمل معنيين وأكثر، وهلاّ أنزله على وجه لا يقع فيه التباس واشتباه ليزول الخلاف، ولمَ أنزل بعضه متشابها لا يعلم تأويله على ما أشرت إليه؛ إذ ذلك يؤدي إلى الفتنة، وأيّة فائدة في إنزال بعضه متشابها لا يعلم الغرض فيه، وما وجه الحكمة في ذلك؟ قيل له: أما(3) إنزال بعض القرآن متشابها لا يُعلم تأويله؛ فلامتحان عباده، كي يفضل بين من في قلبه زيغ، وبين من قلبه خالص من الراسخين في العلم، يدلك عليه قوله: ﴿الم (1) أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت:1،2]؛ إذ لا يكتفي منهم بالإقرار وحده، بل يمتحن ويبتلي بوجوه في باب الاعتقاد، وفي باب التكليف، حتى يتميز المخلص من المرتاب، والمحقق من الممخرق(4)؛ إذ ليس الإقرار وحده كثير /75/ شغل، ولا ينال المكلف فيه مشقة، وهذا الحكم يجري عند الملوك والعقلاء في امتحانهم أصحابهم، ومن يظهر لهم الطاعة والموالاة والصداقة، وابتلاه إياه بما به يظهر صدقه من كذبه، وخلوص عقيدته من سوءته، وقال الله تعالى في مثل ذلك: ﴿مَّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [آل عمران:179].
(1) ث: تحيير.
(2) رجع إلى كتاب ركن الدين.
(3) ث: إن.
(4) في النسخ: الممحرق. والمُمَخْرقُ: المُموَّهُ. لسان العرب: مادة (مخرق).