الجزء 03
الجزء ٣ · صفحة ١١٢والله تعالى جعل بعض القرآن محكما لا إشكال فيه ولا شبهة، وبعضه محتملا لأكثر من معنى واحد؛ لينال المكلف مشقة في معرفة معناه، وتمييز الأصح مما يحتمل اللفظ، ثم جعل بعضه متشابها لا يعلم تأويله، مميزا بذلك المخلص من المرتاب، داعيا لهم إلى الإيمان بذلك على ظاهر الأمر من غير تعنّت، ولا يطلب علة وابتغاء حكمه، فعلى العبد المعترف بحكمة سيده المذعن له بأنه يلزمه طاعته في جميع ما يأمره به، عرف وجه الحكمة في ذلك أم جهل، وكذلك في باب تكليف الأفعال، وأما إنزاله بعض القرآن محتملا لأكثر من معنى واحد، ففيه أوجه من الحكمة:
أحدها أنّ في ذلك حثا على النظر، ودعاء إلى الاستنباط، واستعمالا للرؤية والقياس، وتمييزا للعقول، وتشحيذا للأذهان، ونهيا عن الإغفال والتقليد.
ومنها /76/ أنه لو حصل الجميع محكما لكان في ذلك دعاء إلى التقليد في ترك النظر والركون إلى قول الغير، وإن لم يعرف صحته وصدقه فكان ذلك مؤديا إلى تقليد غيره، والقبول من كل من يدعوهم إلى كل ملة، وترك النكير لمن يورد عليهم ما أراد حقا أو باطلا، أو إجازة قبول قول المخالفين من الكفرة والمشركين.
ومنها أنه لو جعل جميعه محكما لكان ذلك مؤديا إلى الخروج من الدين والانسلاخ من التوحيد؛ وذلك لأنه كان حينئذ باعثا على قبول ظاهره، وترك النظر في صحته وسقمه، والتقليد له من غير رجوع إلى النظر والاستدلال، فكان ذلك باعثا على الاقتصار في معرفة الصانع وصدقه، ومعرفة رسله وكتبه من جهة الكتاب والتقليد دون غيره، وليس يعرف شيء من ذلك كما بيّناه قبل من جهة الحكمة، وإنّما يعرف من طريق العقل، والذي يصح ما قلناه أن من عرف صدق