الجزء 03
الجزء ٣ · صفحة ١١٣الله في إخباره بقوله: "إني صادق في إخباري" لم يعرف كونه صادقا؛ إذ لا(1) يأمن أن يكون نفس قوله إني صادق كذبا، وإذا لم يعرف صدقه لم يعرف بخبره شيئا، فلا يعرف /77/ صدق رسوله وصحة كتابه، وسائر ما يجب أن يعرف من طريق العقل، إذا لم يعرف شيئا من ذلك من طريقه المؤدي إليه شيء آخر، وهو أن المعرفة بالشيء إنما تحصل، ويصح إذا عرف من وجهه وطريقه، ومتى لم يعرف من وجهه وطريقه لم يكن ذلك معرفة، بل يكون توهما وحسبانا، ألا ترى أن الأسود متى ما عُرف من طريق اللمس لم يكن معرفة به، ومتى ما رام أحد الوقوف على الكلام من جهة البصر تعذر عليه، وإذا كان كذلك صح أن المعرفة بالشيء إنما تحصل متى عرف من جهته المؤدية إلى المعرفة، فلما كانت المعارف العقلية التي ذكرنا من جهة العقل والنظر تحصل دون الكتاب والشرع، فلو جعل جميع القرآن محكما لا يحتمل إلا وجها واحدا، لمال الناس إلى التقليد وقبوله، وترك اعتقاد توحيده من وجهه وطريقه، فيؤدي ذلك إلى كونهم غير عارفين بكون الصانع [ … ](2) ووحدانيته، وبين سائر المعارف العقلية، فأنزل بعضه محكما؛ ليجعل أصلا يعتمد عليه، وبعضه متشابها محتملا لأكثر من معنى واحد؛ ليبعث المكلف على الرجوع إلى أدلة العقل في تمييز المراد بين تلك المعارف /78/ التي يحتملها اللفظ من غير المراد، فيعرف ما يجوز على الله تعالى من تلك المعاني وعلى رسله وما لا يجوز، فيحصل له المعرفة بالصانع وتوحيده وسائر ما يلزمه معرفته من طريقه المؤدي إليه، ويصير ذلك عارفا بالله وتوحيده على الحقيقة،