الجزء 03
الجزء ٣ · صفحة ١١٤مؤمنا مخلصا، ويفارق مرتبة التقليد الذي هو غير موجب لشيء من تلك المعارف، ولا يصير مؤمنا بالاعتقاد على تلك الجهة، وتجب له درجة عالية باحتماله المشقة في المقايسة بين المعنيين والموازنة(1) بينهما، والاستظهار في ذلك بالدلائل العقلية والبراهين النظرية، مثال ذلك أنه لما قام(2): ﴿تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا﴾ [الجن:3] وكان الجد في اللغة يقع على أب الأب، وعلى البخت، وعلى العظمة، وجب الرجوع إلى أدلة العقل؛ أي هذه الوجوه تجوز عليه، وإنها لا تجوز عليه، فإذا عرفت بأدلة العقل أنه قديم، لم يجز أن يكون له أب، ولا أب أب؛ لأن الأب هو الذي حدث له الابن، والقديم لا يكون حديثا، فإذا عرف من جهة العقل والدليل أنه لا يجوز أن يكون له بخت؛ لأن ذلك من صفات المحدثين، عرف أن المراد في قوله: ﴿تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا﴾ ليس هو أب الأب، ولا بمعنى /79/ البخت، فلم يبق إلا العظمة، ووصفه بالعظمة جائز عقلا وإجماعا، عرف أن يراد بقوله: ﴿جَدُّ رَبِّنَا﴾ العظمة دون أب الأب ودون البخت.
فإن قيل: أليس لو جعل القرآن كله محكما لكان لا تهلك هذه الجماعة الكثيرة التي تهلك من جهة التأويل؟ قيل له: لم يهلك من قبل المتشابهات، وإنما هلكوا لتفريطهم في الاستدلال، وتقصيرهم في النظر، ولو جعل القرآن كله محكما لكان الهلاك من تلك الجهة أكثر وأعم؛ لترك الجمهور النظر والاعتماد على التقليد المؤدي إلى الانسلاخ من التوحيد. انقضى الذي نقلناه من كتاب ركن الدين.