الجزء 03
الجزء ٣ · صفحة ١٣١بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} [البقرة:106]، ولا يكون ما ليس بقرآن خيرا من القرآن. وقال آخرون: بل السنة تنسخ القرآن، والقرآن لا ينسخ السنة. وقال آخرون: إذا كانت السنة بأمر من الله من طريق الوحي، وإن لم يكن ما أوحى به فيها قرآنا فإنها تنسخ القرآن، وإذا كانت على طريق الاجتهاد والرأي فإنها لا تنسخ، بل لم يكن النبي - صلى الله عليه وسلم - ليجتهد في أمر محكم بخلاف ما في القرآن، بل للأمر حكم الاجتهاد، وفيها حكم مبين، قالوا: والقرآن ينسخ السنة عن أمر الله أو باجتهاد من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهذا من التفسير من السنة إنما يحتاج إليه من يجيز الاجتهاد للنبي - صلى الله عليه وسلم -، وأما من أبى ذلك فإن السنة عنده لا تكون إلا بأمر الله، والسنة عنده تنسخ القرآن، والقرآن ينسخ السنة، والنظر يوجب أنّ القرآن والسنة حكمان لله تعالى ينسخ كل واحد منها بالآخر، يدل على ذلك قول الله جل ذكره: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر:7]، وقال: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:3،4]، فأخبر جل ذكره أنّ الكل من عنده وبأمره.
واختلفوا أيضا من وجه آخر؛ فزعم قوم أنّ الآيتين /105/ إذا أوجبتا حكمين مختلفين وكانت أحدهما متقدمة، فالمتأخرة ناسخة للأولى، كقول الله جل ذكره: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة:180]، نسخه بقوله بعد ذلك: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ﴾ [النساء:11]، وقال: ﴿فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ [النساء:11]، فالآخرة ناسخة للأولى، ولن يجوز أن تكون لهما الوصية والميراث. وقال آخرون: بل ذلك جائز، وليس في الآيتين ناسخ ولا منسوخ، وإنما نسخ الوصية للوارث سنة النبي - صلى الله عليه وسلم -، قالوا: فالناسخ لا يكون إلا بما يجوز اجتماعه والمنسوخ، ولا يجوز الحكم بهما في حال واحدة على لسان واحد،