الجزء 03
الجزء ٣ · صفحة ١٣٢والنظر يوجب عندي -والله أعلم- أنّ الوصية للوالدين والأقربين غير منسوخة، وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا وصية لوارث»(1) ليس ينسخ بها وإنما هو بيان لحكمها؛ لأن كل من ليس بوارث فالوصية لهم واجبة، فهذا يدل على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سنّ أن الوصية لا تجب لمن كان وارثا.
واختلفوا في ذلك من وجه آخر؛ فقال قوم: الناسخ والمنسوخ قد يكون في وصف الله والثناء عليه، وفيما ليس بأمر ولا نهي من الخبر وغيره، وقد بيّنا قبل هذا ما نذهب /106/ إليه ونختاره، وهو قول أهل الحق: إن النسخ لا يجوز أن يكون إلا في الأمر والنهي.
وزعمت فرقة من ضلال أهل القبلة أنّ الأئمة المنصوص عليهم مقصوص (ع: مفوّض) إليهم نسخ القرآن وتبديله، وتجاوز بعض هؤلاء حتى أفرطوا وخرجوا من الدين، أن النسخ يجوز على سبيل أن يأمر الله بالشيء وهو لا يريد في وقت أمره به تغيره، ثم يبدو له فيغيره بعد ذلك، فتعالى الله عن مقالة هؤلاء. وقال قوم: إن ما نزل بالمدينة ناسخ لما نزل بمكة، وهذا غلط أيضا؛ لأن النسخ لا يكون إلا في الأمر والنهي.
والحجة على من زعم أن النسخ لا يكون حتى ترفع تلاوته ما نسخ الله من التوراة بالقرآن، وهما متلوان جميعا، وأما نسخ القرآن بالسنة فقد قال به أكثر أصحابنا، واحتجوا بأن الله فرض علينا سبعة عشر ركعة في كل يوم وليلة، ثم إن النبي - صلى الله عليه وسلم - سنّ أن على المسافر بعض ذلك دون جميعه، فإن احتج محتج أنّ القرآن لا ينسخه إلا قرآن، وأن نسخ فرض الصلاة للمقيم بقول الله جل ذكره: {وَإِذَا
(1) تقدم عزوه.