قاموس الشريعة الحاوي طرقها الوسيعة جميل بن خميس بن لافي السعدي أبو محمد

الجزء 03

الجزء ٣ · صفحة ١٣٣

ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا} [النساء:101] الآية؛ إنما أوجب القصر /107/ على وجه الخوف، وقد أجمع المسلمون أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - يقصر الصلاة في حال الأمن دون الخوف، وهذا يدلّ على أن الآية ليس بناسخة.

وأما من زعم أن السنة تنسخ القرآن، والقرآن لا ينسخ السنة؛ فالحجة عليه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يزل يصلي إلى البيت المقدس بغير قرآن، فنسخ الله ذلك بالقرآن، وحوّل القبلة إلى الكعبة.

وأما من قال: إن النسخ مفوض إلى الأئمة، احتجوا بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يجتهد رأيه في الأحكام، وإذا كانت السنة اجتهادا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقد يجوز أن ينسخ القرآن السنة، وإذا جاز نسخ القرآن بالسنة من طريق الأحكام، وتفويض الأحكام إلى الرسول - عليه السلام -، فجائز للإمام من بعده الذي نص عليه أن يجتهد فيما فوض إليه، والحجة عليهم قول الله تبارك وتعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ [يونس:15]، وقال تعالى: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:3،4]، وأما من زعم أن الله جل ذكره لا يعلم الشيء حتى يكون، فالحجة عليهم قول الله جل ذكره: /108/ ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِ‍آيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنعام:27]، ثم قال: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام:28]، فأخبر بما يقولون قبل أن يقولوا؛ إذ أخبر أنهم لو ردوا لعادوا كيف يكون حالهم، فقد علم ما يكون من قولهم قبل أن يكون، وعلم ما لا يكون أن لو كان كيف كان يكون، ونظائر هذا في القرآن كثيرا، والله أعلم.

٩٤٨ / ٣٦٬٧٥٥