الجزء 03
الجزء ٣ · صفحة ١٣٥(رجع)(1) مسألة: ومنه: والذي عليه أكثر أصحابنا أنّ القرآن ينسخ بالقرآن وينسخ بالسنة، كما أن السنة تنسخ بالسنة، وقد وجدت لبعض أصحابنا أنّ السنة لا تنسخ القرآن، ولعل هذا مذهب بعض البصريين، وحجة هؤلاء أن القرآن لا يعلم نسخه إلا بخبر من الله أو الرسول - عليه السلام -، أو بإجماع الأمة على ذلك، أو تقوم دلالة في نفس الخطاب ولم تقم الدلالة من هذه الوجوه، وقال الله تعالى: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة:106]، والسنة ليست كالقرآن في نفسه، والسنة وإن كانت حكما من الله تعالى فليست مثل القرآن في نفسه معجز، قال الله جل ذكره: /110/ ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء:88]، والسنة ليست معجزة بنفسها، فإذا لم تكن مثل القرآن إلا من طريق الحكم لم يجز أن تنسخ القرآن.
والحجة لمن أجاز نسخ القرآن، قالوا: إنّ القرآن حكم الله جل ذكره، والسنة حكم الله، ينسخ أحدهما الآخر، واحتجوا بقول الله جل ذكره: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:3،4]، والكتاب دالّ على أنه يخبر عن الله تعالى، فهو ينسخ أحكامه بعضها ببعض، مرة بالكتاب ومرة بالسنة على لسان نبيه - عليه السلام -، والله أعلم بالأعدل من الأقوال، والله أعلم.
مسألة: ومنه: ومما عزّ الله به نبيه - عليه السلام - وأخبر أن ما نال المشركون من حلاوة الدنيا وزهرتها غير موصول بنعيم الآخرة، وإنما هو فتنة لهم في الدنيا، ووبال عليهم في الآخرة، فقال جل ذكره: {وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ
(1) رجع إلى كتاب الإرشاد.