الجزء 03
الجزء ٣ · صفحة ١٤٤إلى الله - عز وجل - البداء وهو عين الجهل، أرادوا أن يثبتوا له أمرا فلم يمكنهم إلا بنفي أمور، وما علموا أن الله - عز وجل - أمر العباد في الوقت الذي يصلح لهم فيه الائتمار، ونهاهم في الوقت الذي يصلح لهم فيه الانتهاء، وهو في الحالتين موصوف بالعلم لا بالجهل، وبالحكمة لا بالعبث، وليس بمستنكر في لطف الله تعالى اصطلاح العباد بما علم، وأنه صلاح لهم؛ بدليل قول الله - عز وجل -: ﴿فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ [النساء:160]، وبقوله: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة:106]، ولا ينسب إليه في الحالتين جهلا ولا عبثا، ونحن نرغب بالجهل عن الله تعالى كما رغبنا بالعبث عنه، وليس الجهل بأنقص حالا من العبث، وكلاهما عن الله منفيان.
فصل: اختلف الناس في النسخ؛ /121/ فقال بعضهم: لا ناسخ ولا منسوخ. وقالوا: ليس من الحكمة جواز النسخ على الله - عز وجل -؛ لأنه بداء، وهو قول اليهود أخزاهم الله، وهو مذهب عبيد بن عمير الليثي(1) من التابعين، وزعم أن النسخ الموجود في القرآن، وهو نسخ النقل كانتساخ الكتاب من الكتاب، وقال الله - عز وجل -: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية:29]، وفسر فيه ابن عباس أنّ الحفظة تكتب ما حفظت من أفعال العباد، وتلتقي في السماء مع ملائكة يكتبون ما صحّ للعبد مما يؤخذ به ويثاب عليه، مما هو مكتوب في اللوح المحفوظ، فتتقابل النسختان، فيثبت جميع ما صح في اللوح المحفوظ، ويتلاشى ما سواه، وهو معنى قول الله - عز وجل -: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ [الرعد:39]،
(1) هذا في ث. وفي الأصل، ق: اللثني.