الجزء 03
الجزء ٣ · صفحة ١٤٥فالمعنى الذي ذهبنا إليه من النسخ هو المعنى الذي ذهبوا إليه، وسموه بيانا للقرآن، فاتفقنا في المعنى واختلفنا في اللفظ، وأبطلوا اللفظ وأطلقوا المعنى، فهؤلاء أهون عذرا من الأوّلين، وأما الأولون الذين أجازوا البداء وهو الجهل لأجل نفي العبث الذي هو السفه، فأشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا، وأما الذين وافقوا اليهود في إبطال النسخ واختلفوا في المعنى، واليهود أحالته البتة وأبطلوا اللفظ، وعبيد بن عمير وأصحابه أطلقوا المعنى وأبطلوا /122/ اللفظ، كما قدمنا لو فارقوا اليهود كان خيرا لهم لو كانوا يعلمون، وقيل: إنّ عبيد بن عمير قد صحب، والصحيح أنه من التابعين، وهو القائل لأمّنا عائشة أم المؤمنين يؤنبها في أمر عثمان، وكانت به معجبة شعرا:
منك البداء ومنك الغير … ومنك الرياح ومنك المطر
وكنت أمرت بقتل الإمام … وقلت لنا إنه قد فجر
فهبنا أطعناك في قتله … وقاتله عندنا من أمر
فصل: اعلم أن الناس اختلفوا فيما يقع فيه النسخ؛ قال بعضهم: لا يجوز إلا في الأمر والنهي، ومعناه أن الأمر إذا ورد خبرا أزال حكم النهي من حينه، والنهي إذا ورد خبرا أزال حكم الأمر، والأمر والنهي قائمان بأعيانهما. وقال بعضهم: إن النّسخ يلحق الأمر والنهي، والطاعة والمعصية؛ لأنّ الطاعة تبع للأمر ونتجته، والمعصية تبع للنهي ونتجته. وقال بعضهم: إن النسخ يلحق الأمر والنهي، والطاعة والمعصية، والثواب والعقاب؛ لأن الثواب تبع للطاعة، كما أن العقاب تبع للمعصية؛ لأنه محال زوال الأمر وتبقى الطاعة، أو زوالهما ويبقى الثواب، كما أنّه محال زوال النهي وتبقى المعصية، أو زوالهما ويبقى العقاب. وقال بعضهم: يجوز /123/ نسخ هذه الثلاثة، وزادوا جواز نسخ الإخبار عن