الجزء 03
الجزء ٣ · صفحة ١٤٦العقاب والثواب، ولا بد من تحقيق هذه المعاني الأربعة وتفصيلها.
اعلم أن الأمر والنهي من أفعال الله - عز وجل - كما قدمنا إيجابا وإعلاما، فأما الإيجاب فإلزام من الله - عز وجل - العبد ما كلفه، وأما الأبدان فالأوامر الظاهرة في القرآن خبرا أو أمرا من جهة الخطاب، [ولا إحالة](1) في شيء من هذه الآية قد كان ووقع، وليس في العقل ما يحيله ولا ما يبطله، وذلك أن الله تعالى قد افترض على نبيه - عليه السلام - استقبال بيت المقدس في أول الأمر بإجماع، ثم ردهم إلى استقبال الكعبة بإجماع، قال الله - عز وجل -: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة:144]، ورأينا الأمر الأول من امتثله أطاع، ومن تمادى بعد النسخ عصى، فتعاقبت الطاعة والمعصية، ثم كلّ واحد منهما بزوال موجبه فتناسخت وتعاقبت، فحكم الأمر والنهي واحد، والطاعة والمعصية واحد، وحكم الثواب والعقاب واحد، والخبر عن وجوب الثواب ووجوب العقاب واحد، أعني في تعاقبهما، وإن كان واحد منهما لا يتخلف عن موجبه، أما الوجوه الثلاثة فلا تختلف في هذا المعنى الذي ذكرناه في أنّ /124/ الأمر إذا زال زالت الطاعة وزال الثواب، وأنّ النهي إذا زال زالت المعصية وزال العقاب، وإنما التنازع في خبرهما فمن منع النسخ فيهما فإنما أبطل اللفظ وأوجب المعنى؛ لأنه يقول: إذا زال الثواب زال الخبر من حين زوال الثواب، وإذا زال العقاب زال عنه الخبر من حين ما زال العقاب، بل أعقبه ضدهما، وليس في تسمية سماهما(2) نسخا ما يبطل حكما ولا يوجب كذبا؛ لأن