قاموس الشريعة الحاوي طرقها الوسيعة جميل بن خميس بن لافي السعدي أبو محمد

الجزء 03

الجزء ٣ · صفحة ١٥٦

عَلَى عَقِبَيْهِ}، قيل له: إنما هذا خبر عن كونه مستقبلا لبيت المقدس عند النسخ، ولم تظهر في القرآن نصا ولا مستخرجا أنه أمره باستقبال بيت المقدس، ودليل آخر: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عقد بينه وبين المشركين عقودا في صلح الحديبية على الرجال والنساء، فأنزل الله - عز وجل -: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة:10] /135/ فنسخ العقد الأول، واستدلوا بقوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ﴾ [البقرة:187] وذلك بعد أن نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن مباشرة النساء ليلة الصيام، بعد ما كان فرض صومهم من العتمة إلى الغروب، فنسخ ذلك بقوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾، ونسخ صوم يوم عاشوراء بصوم شهر رمضان؛ وذلك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قدم المدينة وأصاب اليهود يصومونه، فقال: «أنا أحق باتباع أخي موسى، فأمر مناديا وقال: من كان غير صائم فليصم»(1) فصاموا بقية نهارهم، ثم جاء رمضان فكان هو الفريضة، ونسخ صيام عاشوراء.

مسألة: ويجوز نسخ القرآن بالسنة المتواترة، وأجاز ذلك أكثر أصحاب أبي حنيفة، وبعض أصحاب الشافعي يقول بالوجهين جميعا، إنه لا ينسخ قرآنا إلا قرآن مثله. وقال بعضهم: إنه تنسخه السنة كما قدمنا، وأنّ السنة لا تنسخها إلا سنة مثلها، ولا ينسخ كل واحد منهما صاحبه. واستدل من أجاز نسخ

(1) أخرجه بمعناه كل من: البخاري، كتاب الصوم، رقم: 2004؛ ومسلم، كتاب الصيام، رقم: 1130؛ وأبي داود، كتاب الصوم، رقم: 2444.

٩٧١ / ٣٦٬٧٥٥