الجزء 03
الجزء ٣ · صفحة ١٧٨وأوّل ما أنزل بالمدينة سورة البقرة، وآخر ما أنزل سورة براءة، فلو كانوا إنما ألقوا السور على تقدير رأيهم لقدّموا في المصحف المقدم، وأخروا المؤخر، ففي تقديمهم سورة البقرة وتأخيرهم سورة براءة، دليل على أنهم اتبعوا ولم يبتدعوا، وحكموا ولم يتحرصوا(1)، ولن يخفى على ذي لبّ أنّهم لم يتركوا وضع السّور على ما عاينوا وشاهدوا، والأمر كما ذكرنا، ووصفه على ما حكينا، ولقد وعوه وأحضوه(2) حتى عرفوا من جمعه من الأنصار، وكم حفظه من المهاجرين، ومن بقيت عليه السورة والسورتان، وذلك مشهور معروف، ولقد قال أبو ذر ?: لقد تركنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وما يقلّب طائر جناحه في السماء إلا وعندنا منه علم(3).
فكيف تجهل تأويل السور ومواضع الآي أمة قد شهدت أوّل ذلك وآخره، قد اختارهم الله جل ذكره لصحبة نبيه - صلى الله عليه وسلم -، وليكونوا حجة بعده، كما قال جل ذكره: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة:143].
وقد روى أصحاب الحديث أن القرآن كان مفرّقا حتى جمعه أبو بكر الصديق(4) ?، وروى آخرون(5) أنّ الذي جمعه عثمان بن عفان، وأنّهم أخذوا
(1) ث: يتخرصوا.
(2) ث: حصوه.
(3) أخرجه بلفظ قريب كل من: أحمد، رقم: 21399؛ ووكيع في الزهد، باب الإنصات، رقم: 522؛ وأبي داود الطيالسي في مسنده، رقم: 481.
(4) زيادة من ث.
(5) ث: آخر.