الجزء 03
الجزء ٣ · صفحة ١٨٢ينسخ من مصحف أبيّ، وأحرق كل قرطاس فيه قرآن وجده مع أحد من غير هذه الثلاثة، هكذا حكاه الطبري في تاريخه.
(رجع) مسألة: وأما تكرير القصص في القرآن، والسبب في ذلك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يبعث إلى القبائل المتفرقة بالسور المختلفة، فلو لم يكن الأنباء والقصص مثناة مكررة، لوقعت قصة موسى صلوات الله عليه إلى قوم، وقصة عيسى - عليه السلام - إلى قوم، وقصة نوح صلوات الله عليه إلى قوم، فأراد الله تبارك وتعالى بلطفه ورحمته أن يسير(1) هذه القصص إلى أطراف الأرض ويلقيها في كل سمع ويثبتها، ويلقيها في كل قلب، ويزيد الحاضرين في الأفهام، وأما تكرير الكلام من جنس واحد فبعضه يجزي عن بعض، كتكراره في: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون:1]، وفي سورة الرحمن، فإن القرآن /161/ نزل بلسان القوم وعلى مذهبهم، ومن مذاهبهم التكرار إرادة التأكيد والإفهام، كما أن من مذاهبهم الاقتصار إرادة التخفيف والإيجاز؛ لأنّ تفنن المتكلم والخطيب في القنوت وخروجه عن شيء إلى شيء أحسن من اقتصاره في المقام على فن واحد، وقد يقول القائل في كلامه: "والله لا أفعله، ثم والله لا أفعله" إذا أراد التأكيد وحسم الأطماع من أن يفعله، كما تقول: "والله أفعله" بإضمار "لا" إذا أراد الإيجاز والاقتصار، قال الله جل ذكره: ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (3) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [التكاثر:3،4]، وقال جل ذكره: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشَّرح:5،6]، وقال: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (34) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾ [القيامة:34،35]، وقال: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (17) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا
(1) هذا في ث. وفي الأصل، ق: يستر.