الجزء 03
الجزء ٣ · صفحة ١٨٤بالشعر ولا بغيره؛ لأنهم وإن كانوا مكذبين لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإنهم مقرون بأنه جاء بهذا القرآن، وأنه أورده على العرب وقرعهم بالعجز عنه، وجعله حجة له، وأدنى منازل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - /163/ أن يكون رجلا من فصحاء العرب لا يتأخر عن أحد من أهل العلم باللغة، وما يجوز فيها وما لا يجوز، وهذا ما لا ندفعه عن مصدق ولا مكذب، فكيف يجوز أن يحتج بقول شاعر، ولا يحتج بقوله؟! وكيف صار الشعر حجة على غيرهم ولم يكن هو حجة عليهم؟! ولكن العلماء لما علموا من سعة الحق احتجوا بشعر الماضين قطعا للشغب وإزاحة للعلة.
فإن قال قائل: من أين جاز أن تعاد قصص الأنبياء (، ويعاد ذكرها في القرآن؟ فيقال له: إن لله(1) جل ثناؤه في إعادتها حكمة لطيفة، وهي أن الرجل إذا سمع الموعظة ثم لم يعد عليه ذكرها خفي عليه قدرها، وذهب عليه وصفها، فإذا وعظ بها من بعد مرة صارت نصبا لخاطره وفكره، ووفقا على همه وذكره؛ ولذلك صارت الخطباء تعيد الموعظة الواحدة في كل مقام ومشهد، وتردّد القصة في كل محفل، ولا يسمى ذلك غيّا(2)، وروي «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يردد الآية في القرآن مرارا»(3)، قال الله تعالى: ﴿لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ﴾ [ص:29]، ولم يقل: "ليقرؤوا آياته" فتكون قراءة النبي - صلى الله عليه وسلم - مرة واحدة مجزئة عن إعادة ذكرها حالا بعد حال، فذمّ به من يمر بالآيات ولا يتدبرها، ويرى المعجزات ولا يتأملها، قال الله جل ذكره: /164/ {وَكَأَيِّن مِّنْ آيَةٍ فِي