العقد النضيد على نكتة التوحيد
الجزء ١ · صفحة ١٦٥العقد النضيد على نكتة التوحيد
الدنيا وجعلها في بيت العزة منها ثم نزل به بعد ذلك على محمد صلى الله عليه وسلم مفرقا بحسب جواب العباد وأعمالهم، وثانيها أنه نزل إلى سماء الدنيا في عشرين
6
/ أق 62 أ /
ليلة قدر في كل ليلة منها ما يقدر الله إنزاله في كل سنة وثالثها أنه انزل في ليلة القدر ثم نزل بعد ذلك منجما وقال الماوردي 1: أنزل في اللوح المحفوظ جملة واحدة ونجمته الحفظة على جبيرل عليه السلام في عشرين ليلة قدر ونجمه جبريل على محمد صلى الله عليه وسلم في عشرين سنة 2 واختلفوا أيضا في كيفية تلقي جبريل الوحي من الله تعالى فقال بعضهم: ألهمه الله له إلهاما وقال آخرون: سمعه منه تعالى، وقال بعضهم: حفظه من اللوح المحفوظ، وقال بعضهم: سمعه جبريل من إسرافيل وإسرافيل من اللوح المحفوظ. واختلفوا أيضا فيما نزل به جبريل على النبي هل هو اللفظ أو المعنى وعبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم فقال بعض بالأول وقال آخرون بالثاني. وثانيها السُّنَّة أي أقوال محمد صلى الله عليه وسلم وأفعاله وهمه وعزمه وتقريره وثالثها الرأي أي الإجتهاد الذي هو استفراغ الوسع في النظر الأدلة الشرعية لتحصيل ظن بحكم شرعي، ولا يخفى أن معنى الكمال لغة التمام، وأن المراد به هنا المكمل والمتمم كما تقرر، وأنه مصدر بمعنى
في
/ أق 62 ب /
اسم الفاعل كعدل من زيد عدل، وأن المراد من كون هذه الثلاثة مكملة للدين مظهرة له فـ حال كونه كاملا، لا لأنه كان ناقصا وكملته بل هو كامل في نفس الأمر إلا أنه خفي عنا، فأظهرته لنا هذه الثلاثة بصفة الكمال والتمام التي هو عليها في الواقع لوجود الأحكام الشرعية فيه كاملة وتامة، إلا أنها خفيت فأظهر القرآن بعضها كوجوب الصلاة والزكاة. والسنة بعضها كغسل الميت وتكفينه والإجتهاد بعضها كوجوب جلد العبد البالغ العاقل الشارب للخمر أربعين جلدة، إن شرب منه ما يسكره أو يسكر غيره وأنه شبه الإظهار بالتكميل بجامع استلزام كل ظهور صورة لم تكن ظاهرة واستعار اسمه له استعارة تصريحية تحقيقية أصلية.
1 - الماوردي: هو علي بن محمد بن حبيب، أبو الحسن الماوردي (450 هـ): أقضى قضاة عصره. من العلماء الباحثين، أصحاب التصانيف الكثيرة النافعة، ولد في البصرة وانتقل إلى بغداد، وولي القضاء في بلدان كثيرة، ثم جعل أقضى القضاة في أيام القائم بأمر الله العباسي، وكان ميالا إلى مذهب الاعتزال، وله المكانة الرفيعة عند الخلفاء، ونسبته إلى بيعه ماء الورد، من بعض كتبه نذكر: " أدب الدنيا والدين "، " الأحكام السلطانية " النكت والعيون الخ. انظر الأعلام للزركلي (4/ 327).
2 - انظر النكت والعيون للماوردي (3/ 142).
161