العقد النضيد على نكتة التوحيد
الجزء ١ · صفحة ٣٣العقد النضيد على نكتة التوحيد
نجد أن المذهب وعلى غرار مصر وبلدان المغرب، انتشر انتشارا سريعا في تونس حفاظ الدعاة إليه على صفاء الرسالة الإسلامية، فلم تلتصق به الشبهات ولا البدع ولا بسبب
(
أما
الخرافات، ولم يُشنه ظلم الطغاة من الولاة، ولقد كان للداعية المسلم الكبير " سلمة بن سعد كبير الأثر في نشر تلك الدعوة، من خلال محاولته إقرار الصورة الصحيحة والفهم السليم للإسلام في الإيمان والعبادة والمعاملة، ولعل السكان في القطر التونسي، كانوا أكثر فهما لهذه الدعوة، وتعلقا بها، واستجابة لها آنذاك، ولذلك فقد كونوا البعثة العلمية إلى البصرة، لتتم دراستها في ذلك المركز، من مراكز الإشعاع الإسلامي، وسافر الطالبان النجيبان عبد الرحمن بن رستم من القيروان وأبو داود من قبلي، ليغترفا العلم من شيخ الأباضية في العراق، أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة (145 هـ. ولقد درس الطالبان على الإمام الكبير خمس سنوات كاملة ثم رجعا مع زملاء لهم، فقام عبد الرحمن بكفاح سياسي بدأه فـ ليبيا ثم انتقل به إلى تونس ثم انتقل به إلى الجزائر حيث أسس الدولة الرستمية الشهيرة، أبو داود فقد انقطع عن الكفاح السياسي والعسكري إلى الكفاح العلمي والإصلاح الديني. كنت قد تحدثت بادئ الأمر عن انتشار المذهب الاباضي بشكل عام، ومنه إلى الحديث عن انتشاره ببلاد المغرب بشكل خاص، وفي تونس بشكل أخص، والآن أحببت أن أكون أكثر خصوصية، من خلال الحديث عن جزيرة جربة ببلاد تونس، باعتبار نسب صاحب المخطوط وأصله الجربي، فلربما تتكشف بعض الأمور في ظل المعالم والظروف الاجتماعية والسياسية التي كانت محيطة بالمؤلف وقتها، ولو أنني حاولت قدر الإمكان الابتعاد عن السرد التاريخي والوصفي للمدينة بقدر ما ركزت على ما له علاقة بالناحية العلمية والمعرفية والمذهبية
أما عن موقع الجزيرة فهي تقع في الجزء الجنوبي من خليج قابس، وتمتاز بموقع تجاري هام يربط بين الشرق والغرب والشمال والجنوب.
وقد كانت جزيرة جربة خاضعة لحكم أئمة تيهرت وطرابلس وهو ما أتاح لها الارتياح من عنت الكفر ومن طغيان الرومان الذين كانوا يتحكمون فيها تحكم المستعمر الباغي. لكن
1. الاباضية في موكب التاريخ، علي يحيى يعمر ص (21)
2 - تيهرت أصلها " تاهرت " بفتح الهاء وسكون الراء، وتاء فوقها نقطتان: اسم لمدينتين متقابلتين بأقصى المغرب، يقال لإحداهما تاهرت القديمة والأخرى تاهرت المحدثة، بينهما وبين المسيلة ست مراحل، وهي بين تلمسان وقلعة بني حماد. انظر معجم البلدان، ياقوت الحموي (07/ 1).
29