إجابة الدعوة لإصابة الدعوة؛ شرح القصيدة المدنية في مدح مهدي الأمة لأمحمد أطفيش عبد الوهاب بن باحمد بن بيوب بافلح

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ١١١

ولكن سياق ذكر المفردةِ ينبّه إلى إرادة معنى آخَرَ مِن ضاعت الرائحة؛ أي: نَفَحَتْ إِنَّ الإدراك الصّحِيحَ للأصلِ الذي اشتقت منه الكلمة يكسِبُ عمليَّة الشَّرحِ المصداقية العلميَّة، ويقي من الوقوع في المعاني غير المقصودة من الكلام. ويعزّز هذا القول مظهر آخَرُ برزَ خلال نصوص الشرح، وهو أن يذكُرَ الشَّارِحُ أكثر من أَصل يُردُّ إِلَيْهِ اشتقاق الكلمةِ؛ مِن ذلِكَ قولُهُ: «"الوَرَى": الخَلْقُ أو بَنُو آدم، أَو الثَّقَلانِ، مِنْ وَرِيَ الرِّنْد أَخْرَجَ نَارَهُ كَذلِكَ مَا سِوَى اللهِ أُخْرِجَ مِنَ العَدَمِ إِلَى الوُجُودِ، أَوْ مِنْ وَارَاهِ يُوَارِيهِ، سَتَرَهُ وأَخْفَاهُ، وَكَانُوا مَسْتُورِينَ بِالعَدَمِ ويَعُودُونَ إِلَيْهِ، أَوْ مِن وَرَاءَ بِمَعْنَى خَلْفَ؛ لِأَنَّ بَعْضًا يُوجَدُ خَلْفَ بَعْضٍ» (1). إِنَّ رَدَّ اشتقاق الكلمةِ إلى هذه الأصول الثلاثة لا يهدِفُ فقط إلى معرفةِ أصْلِ المفرَدَةِ، وإنَّما يسعى أيضًا نحو معرفة الأصل المعنوي الذي يربط بين المفردة ومادّتِها الأصلِيَّةِ، وبذلِكَ يُدرك معنى المفردة بالوجهِ الذِي وُضعت عليه عند أهلِهَا. -5 - شرح المفردة ببيان علة التسمية:

تحمل التعليلات التي قدمها أطفِيَّش لألفاظ القصيدة المدنية، وغيرها من النُّصوص، رغبةً في إضاءة هذه الزاوية من البحثِ الدّلالي؛ فهو يعتبرُ علَّة التَّسْمِيَةِ وَجْهَا مِن أوجه المعرفة الدقيقة بالألفاظ، ومطلبا يختصِرُ الكلفة المعرفيَّة؛ ليدرك المتلقي المعنى المقصود دون التباس بغيره؛ فقولُهُ: «وإِنَّما لُقِّبَ مُوسَى كَلِيمًا، ولَمْ يُلَقَّبْ هُوَ وَ كَلِيمًا؛ لِأَنَّ وَجْهَ التَّسْمِيَةِ لا يُوجِبُها، قالَ العَضُدُ (2) والسَّعْدُ (3): لا يَلْزَمُ فِي كُلِّ مَنْ قَامَ بِهِ الوَصْفُ أَنْ يُشْتَقَ مِنْهُ لَهُ اسْمٌ، فَلَا يَلْزَمُ تَسْمِيَةُ كُلّ ما يَسْتَقِرُّ فِيه الشَّيْءُ كالإِبْرِيقِ والخَابِيَةِ والبِيرِ والدَّارِ قارُورَةً، ولَا يَجِبُ الاشْتِقاقُ إِلَّا حَيْثُ لَا تَمْيِيزَ إِلَّا بِهِ، ولا واجِبَ عَلَى اللهِ جَلَّ وعَلَا» (4) يظهِرُ

(1) إجابة الدعوة [39] و [40].

(2) عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الغفار الإيجي، الشيرازي الشافعي، عضد الدين صاحب الرسالة العضدية في الوضع. (3) مسعود بن عمر بن عبد الله التفتازاني (سعد الدين) صاحب حاشية على الكشاف للزمخشري في التفسير. (4) إجابة الدعوة [66].

108