الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١١٢بين
توجيها نظريّا عن هذه الآلية؛ فعلة التسمية لا تتحقق في اللفظ بمجرد النظر والربط العقلي العلة والفظ، وإنّما ذلِكَ يُسمع عن العرب ويعرفُ عنهم، وقولُهُ: «والْعَرَبُ تُسَمِّي الرَّجُلَ الْمُسْتَجْمِعَ لِلسِّنِ غُلَامًا، مَا دَامَتْ فِيهِ بَقِيَّةٌ مِنَ الْقُوَّةِ فِي الْكُهُولَة؛ فَذَلِكَ مَدْحٌ لَهُ بِقُوَّةِ الشَّبَابِ مَعَ سِنِهِ، بِفَضْل اللهِ» (1) يؤكد اعتداده بهذه القاعدة.
ومِنَ العَلَلِ التِي رَدَّ إِلَيْهَا أَطْفِيَّش إطلاق بعض الألفاظ: التسمية بعلاقة خارجية، والتسمية بماهية الشَّيْء، وتقدّم النّماذج التالية تطبيقات لذلك.
أ- تعليل التّسمية بعلاقة خارجيَّة:
قد يُسمّى الشيءُ باسم شيءٍ آخر لما يجمعهما من علاقة دلالية، وقد تكون تلك العلاقة علاقة مشابهة أو غيرها وذلِكَ الشَّبه قد يكون في صفةٍ أو أكثر، ومما وقع مِنْ ذلك قول الشارح: «"العانِي": الأَسِيرُ أَسَرَهُ الشَّيْطَانُ بِالذُّنُوبِ، وَإِصْرَارِهِ عَلَيْهَا، وَسُمِّيَ الأَسِيرُ عَانِيَّا؛ لِأَنَّهُ عَارِضٌ وَحَادِتْ فِيمَنْ أَسَرُوهُ» (2). فيلاحظ في هذا النَّص بحثُ الشَّارِحِ للعلاقة الدلالية الرابطة بين لفظي "العاني" و"الأسير"، وهذا لأجل تقريب معنَى اللَّفظِ المشروح للمتلقي، وتحصيلِ الدَّلالة المقصودة، إذ المألوف تسمية من وقع في أيدي العدوّ إثر حرب أو غزو بالأسِيرِ، جاءَ في لسان العرب عن ابن سيده، قال: «ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: عُودُوا المَرْضى وفُكُوا العاني)) (3) يعني الأسير، ولا أراه مأْخُوذًا إِلا مِن الذُّل والخضوع، وكلُّ مَن ذَلَّ واسْتَكان وخَضَعَ فقد عَنَا» (4). فوجه الشبه بين الأسير والعاني، أوضحه ابن سيده ب (الذُّل والخضوع) يوضح سبب تسمية العاني بالأسير. لكن ما أشار إليه أطفيش من
أن
سبب
التّسمية هو الحدوث، وأنّهُ عارِض لا أصل فهذا لم أقف عليه، وقد يقوّيه
أن
(1) إجابة الدعوة [229].
(2) (م، س) [2].
(3) مصنف عبد الرزاق، حديث (6763).
(4) لسان العرب (عنا).
109