الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٢٧قالَ: «وَمَعْنَى "بات": صَارَ، فَهُوَ مَجَازٌ مُرْسَلٌ لَعَلَاقَةِ الإِطْلَاقِ والتَّقييدِ، أَوْ بعدما كانَ مَجَازًا [77 ظ] مُرسَلًا هَكَذَا اسْتَعْمَلَهُ اسْتِعَارَةً؛ بأَنْ شَبَّهَ كَوْنَهُ يُنَاجِي فِي مِقْدَارٍ مِنْ غَيْرِ اللَّيْلِ، بِكَوْنِهِ يُناجِي فِي لَيْل، لعَلَاقَةِ الاسْتِواءِ في الْمُدَّةِ، بِمَعْنَى أَنَّهُ بِقِيَ فِي المُنَاجِاةِ قَدْرَ اللَّيْلِ، هَكَذَا مُطلَقًا. ويَجُوزُ أَنْ يَكُونَ "بات" على ظاهره بأنْ يكونَ وقتُ مُنَاجَاتِهِ لَيْلًا، إِذْ هُوَ وقْتُ الإجابة. وعلى كل حال المراد المناجاة في الدُّنيا؛ لأَنَّهُ لَمَّا أَكَلَ مِنَ الشَّجَرَةِ لَمْ يَبْقَ في الجنَّةِ» (1).
ومعنى اللفظ "بات" المستعمل في البَيْتِ إطلاق دوام المناجاة طول الليل، والمعنى المراد في سِياقِ البَيْتِ هو الصَّيرورة والتَّحوُّل؛ أي: بعد اقترافِ الذَّنبِ، انتقل آدمُ ال إلى مرحلة طلب العفو والمغفرة من الله تعالى على ذنبِهِ، دونَ أنْ يكون هناك تحديد لوقت المناجاة بليل أو غيره، ولا بمدة المناجاة؛ فالفعل "صار"، إن استبدل مكان الفعل "بات" لم يعد يحمِلُ هاتين الدّلالتين واحتيج إلى لفظ يؤدّيهِمَا، فكثافة الدلالة بالفعل "بات" وإعطاؤه إضافاتٍ معنوِيَّةً مهمَّةً على غرارِ الفعلِ "صارَ" جعل الناظم يستعيره لأداء تلك
المعاني.
من
دلالة
ما يهمنا من هذا التَّحليل هو طبيعة دلالةِ الإطلاق التي لا تمس إلّا جانبًا الفعل "بات" وهي مدته، وكذلك لماذا كانت الحاجة إليها؟ وكيفَ تَمَّ تحصيلها بين الفعْلَيْنِ "بات" و"صار"؟ وقد بيّنتُ ذلِكَ بحاجة البيتِ إلى الدّلالة على إطلاق مدة المناجاة وامتدادها؛ أي: لم تكن مدَّة قصيرةً محدودَةً، لكن دون الحاجة إلى حصرها بليل أو غيره؛ فالشَّارِحُ احتاج لتوضيح حصول هذا الإطلاق إلى مفاهيم المجاز بالنوعين المرسل والتشبيه، فالمرسل حصرَهُ في علاقة الإطلاق والتقييد، وهي العلاقة المقصودة في إحداث دلالة الإطلاق، والتَّشبيه حذف أحَد طرفيه، فكانَ اسْتعارةً.
(1) إجابة الدعوة [77 و] و [77 ظ].
124