إجابة الدعوة لإصابة الدعوة؛ شرح القصيدة المدنية في مدح مهدي الأمة لأمحمد أطفيش عبد الوهاب بن باحمد بن بيوب بافلح

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ١٣٢

من

وطبيعة القصيدة التي تناولها الشَّارِحُ تتّسم بتوظيف كثيف للمعاني الشَّرعيَّة للكلماتِ، وكما هو معروف أنَّ تعلَّق الإسلام باللغة العربيَّة قد أحدَثَ فِيها تغييراتٍ دلالِيَّةً مَسَّتْ جملةً الألفاظ التي أدخلها في السلك الشَّرعِي، وألبسها لباسًا جديدا متناسقا مع ما أتى بهِ من معتقدات وأفكارٍ، بَلْ إِنَّهُ أنشَأَ حقولًا، دلالِيَّةٌ، لم يكن للعرب عهد بها. ومعروف أنَّ هذه النقلة الدلالية كانت على شكل طفرة في طبيعة اللغة وتطورها، ومردُّ هذا إلى اعتناق العرب لهذا الدِّين السَّماوِيّ الذي من طبيعته أنّهُ يَسْمَلُ كل مناحي حياة الإنسان؛ لذلك كانت هذه الطفرة شاملةً لِكُلِّ نشاطات الإنسان المسلم، وبالأخص لغته ومعجمه الدلالي

بالتحديد.

إِنَّ حَدِيثي عن الرِّياقِ يجرُّني إلى أنْ أقول: إنَّ جل القصيدة كان يحكمها السياقُ الشَّرْعِيّ بكُلِّ مجالاته، وهذا الأمر يستعصي على الإحصاء والجرد، فهو منتشر في كل أرجاء الشَّرح، وبنظرة سريعة يتبيَّن لنا هذا؛ فلا تَرى الشارحَ يتعرض للفظة محملة بهذه المعاني إلّا وأشار إلى استمدادِها الشَّرعِي؛ كأن يقولَ: «وَقُلْتُ لَهَا أَيْضًا: مَا حِيلَةٌ يَجِبُ أَنْ أَسْعَى لَهَا، حَتَّى تُنْسَبَ إِليَّ وَتُضَافَ لِي فِي أَنْ يُصَحِحَ اللهُ أَعْضَائِي وَأَبْعَاضِي بِدُخُولِ الجَنَّةِ، وَالسَّعَادَةِ قَبْلَهَا؛ لِأَنَّ أَهْلَ النَّارِ يُضْرَبُونَ فِي قُبُورِهِمْ، وَفِي النَّارِ، ضَرْبًا يَهْدِمُ أَبْدَانَهُمْ ثُمَّ تَعُودُ» (1).

إنَّ ما سأقدمه في هذه الدّراسة يستهدف بالأساس الوقوف على القضايا التي تناقش عادةً، في إطار انتقال المعاني من الاستعمال الوضعي إلى الاستعمال الشرعي، بشَتّى أشكاله، وبالنَّظر إلى النُّصوص المحصاة، فإنَّ تلك المظاهر تتمثل في: التخصيص،

(1) إجابة الدعوة [10].

129