الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٤١في نصوص هذه المسألة يعطي أطفيش لنفسِهِ فسحةً لإبداء آرائه ومنطلقاته النظرية من أجل بلوغ غايته، والتحقيق في أبيات القصيدة وأحكامها التركيبية، فإنَّ ما أشرتُ إليهِ سابقا من منطلقات تحضُرُ خلال الأبيات التي تشكل عليه، وترغمه على بسط أرحب وتحليل أدق.
إنَّ مسألةً مثل كون الأداة تكتنف في ذاتها معنى تحمل عليه في الاستعمال، نستشفها من قوله: «فِي": عَلَى ظَاهِرِهَا، فَإِنَّكَ إِذَا سَمِعْتَ شَيْئًا أَوْ رَأَيْتَهُ، فَقَدْ تَحْصُلُ صُورَتُهُ فِي الأُذُنِ وَالبَصَرِ بِوَاسِطَةِ القَلْبِ وَبِالعَكْسِ، أَوْ بِمَعْنَى البَاءِ الإِلْصَاقِيَّةِ» (1). فيعنِي بالظَّاهِرِ الأصل الذي وضعت لتدلّ عليه الأداة، وهذا مخالِفٌ للرَّأي الذي يرى أنَّ الحرف لا يفيد معنى ذاته (2)، وإنَّما يتحصل له من الرِّياقِ، وقد يكونُ هذا خاصا بِحُروفِ الجر؛ إذْ غالِبُ النصوص المحصاة من هذا الباب.
ولكن بتطبيق هذا الرأي نجدُ أطفِيَّش يناقش كيفَ أنَّ الأداة "إذ" انتقل إليها معنى لم توضع له أصلا، في شرح البيت:
وَعَيْنِي كَمْ أَبْدَى لَهَا الدَّهْرُ عِبْرَةً فَلَمْ تَنْزَجِرْ إِذْ خَوْفُ رَبِّيَ أَعْيَانِي قال "إِذْ: ظَرْفٌ وَهِيَ التِي شهر كَوْنُهَا لِلتَّعْلِيلِ، وَإِنَّمَا التَّعْلِيلُ مِنْ عَرَضٍ، لَا بِوَضْعِهَا لَهُ. فَمَعْنَى: أَكْرِمْ زَيْدًا إِذْ أَكْرَمَكَ أَكْرِمْهُ وَقْتَ اِتِّصَافِهِ بِالإِكْرَامِ، وَالاتِّصَافُ مُمْتَدُّ إِلَى وَقْتِ التَّكَلُّمِ وَمَا بَعْدَهُ، وَفِي ذِكْرِ الوَقْتِ مُضَافًا لِلإِكْرَامِ تَلْوِيحٌ بِأَنَّ العِلَّةَ إِكْرَامُهُ إِيَّاكَ، وَكَذَا قَوْلُهُ
(1) إجابة الدعوة [3].
(2) إِنَّ القول بأن «حروف المعاني هي حروف تدلُّ على معنى في غيرها الإيضاح في عِلل النَّحو، الزجاجي، ص 54. قد شرحه د. فخر الدين قباوة بقوله إنَّ الحرف النحوي ذو دلالة معنوية مستقلة ظاهرة فيه، تتجسد في الذَّهنِ مع ذكره، وقد تكون وحيدةً أو ذات عدة توجهات محتملة، فإذا انتظم في عبارة تجرَّدَ لمقصد معيَّن، وزالت عنه سائر الاحتمالات» معاني الأدوات في التفسير اللُّغوي، الواقع والآفاق، (م، س)، ص 698. فالحرفُ إذًا يستقل بنفسه بمعنى أو أكثر، يظهرُ المعنى المراد منه وتنتفي عنه المعاني الأخرى إذا دخل في ترکيب معين، والتزم بعلاقات مع الكلمات في الجلمة.
138