الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٥٧تحديد أقل الجمع يعود إلى مقاصد دلالية تتحرى من النُّصوص، واستند من قال أقله
اثنان إلى قوله تعالى: خَصْمَنِ بَغَى بَعْضُنَا (1)، ووضح أطفيش ضمّ المثنى إلى الجمعِ بقوله: «لأن الاثنين كالجمع في مطلق التعدّد» (2). فَما استعمال صيغة الجمع للمثنى أو المفردِ إلَّا لدلالة حسب المقام، وما قوله: "لا يخرج عليه إلّا لدليل" إلّا إعمال لدلالة
المقام التي تعطي التحدِيدَ المناسب. ويقدِّمُ تطبيقا لهذه القاعدة في شرح قول النّاظِمِ:
وَرُبَّ عَناقِ مَا نَزَا الْفَحْلُ فَوْقَهَا فَدَرَّتْ بِمَسْحٍ كَانَ مِنْكَ بِأَيْمَانِ قال: «وَأَرَادَ بِـ "أَيْمَانِ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ، يَمِينَ رَسُولِ اللهِ، جَمَعَهَا لِلتَّعْظِيمِ كَأَنَّهَا مُتَعَدِّدَةٌ، ثَلَاثًا فَصَاعِدًا، فَإِنَّ لَهُ الله يَدَيْنِ فَقَطْ كَالنَّاسِ، يَدًا يُمْنَى وَيَدًا يُسْرَى» (3). فقد أخرج صيغة الجمع من الدّلالة الحِسِيّة إلى دلالة معنويّة أفادَها المقامُ للتعظيم والإعلاء من شأن اليمين، باعتبار بركتها، وخيرها جريا على عادة العرب في كلامها دون التقيد بحرفية العبارة.
إطلاق الجمع وإرادة المفرد: قال أطفيش في شرح البَيْتِ:
لَقَدْ رَفَعَ الرَّحْمَنُ ذِكْرَكَ فَاغْتَدَى يُقَارِنُ ذِكْرَ اللهِ فِي كُلِّ الْازْمَانِ قال «ونقَلَ فَتْحَ هَمْزَةِ "أَزْمَانِ" إِلَى لَام "ال" ولَا يَصِحُ الْوَزْنُ إِلا
بهَذَا مَعَ حَذْفِ الهَمْزَةِ، وَلَوْ قالَ: فِي كُلِّ "أَزْمَانِ" بِدُونِ "ال" لَصَحَ ولَعَلَّهُ أَعْرَضَ عَنْ هذا لِأَنَّ أَصْلَ مَعْنَى هَذَا الْجَمْعِ المُنَكَّر، فإِنَّ الْمَعْنَى فِي كُلِّ جَمَاعَةٍ مِنْ جَمَاعَاتِ الْأَزْمَانِ، بِخِلَافِ الْأَزْمَانِ بِالتَّعْرِيفِ فَإِنَّهُ "الـ" الْحَقِيقِيَّة. لِأَنَّ الْجَمْعَ يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ فِي مَعْنَى الْمُفْرَدِ بِأَنْ يُقرَنَ بِ: "ال" فَلَوْ قَالَ: واللهِ لا يَشْتَرِي الْعَبِيدَ لحَنَثَ، وَلَوْ بِوَاحِدٍ. فَكَأَنَّهُ بِ: "ال" قال: في كُلِّ زَمَانٍ أو فِي كُلِ الزَّمانِ. والْمُفْرَدُ "زَمَنْ" بِدُونِ أَلِفٍ بَعْدَ الْمِيمِ، وأَمَّا بِالْأَلِفِ فَالْجَمْعُ أَزْمِنَةٌ» (4). أَرادَ
كَالمُفْرَد ب:
(1) سورة ص:
22
(2) تسهيل الاجتهاد، أمحمد أطفيش [3].
(3) إجابة الدعوة [251].
(4) (م، س) [77].
154