الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٧٧-1 الاحتمالُ والقراءة على وَجْهِ واحِدٍ:
إنَّ أبيات المنظومة أعطَتْ لِلشَّارِحِ فسحةً في قراءتها وتناول معانيها بالنظر إلى استعمالِ النَّاظمِ أساليب البيانِ العربي، وتفتُنِه في التَّعبير عن المعاني التي يريدها، فكان الشارح مدركًا لهذا، نظرًا إلى ثقافتِهِ اللُّغوِيَّة وعلمه بالعربيَّة. تجلّى هذا على مستوى علاقة
الإضافة، وبالخصوص في ظاهِرة حذف المضاف التي تُتِيحُ لِلْقارِئ والمتلقي قراءة البيتِ على احتمالات متعدّدة، وممكنة يختارُ منها ما يراه مناسبا حسب الأدلة عليه الحالية
والمقالية.
إِنَّ تَعدِيدَ الاحتمالاتِ في التَّحلِيلِ ظاهِرٌ على منهج شرح أطفيش فِي كُلِّ مستَوَيَاتِهِ، وتمثلت على مستوى مراعاة حذف المضاف مِنْ خلالِ تعبيرات كقوله: ويجوز (1)؛ أي: تجوز قراءة البيتِ على هذا المنوال. أو أنَّهُ يقدّم القراءاتِ المتعدّدة معا؛ سواء كانت مختلفة أو متقاربة، ومن بينها القراءة على حذف المضاف لما تقدّمه من قدرة تفسيرية، فاصلا بينها بالحرف " أو " (2).
لكنه في بعض الأحيان يقدِّرُ ابتداءً وقوع الحذفِ، دون اللجوء إلى تقديم احتمالاتِ التركيب، فليس الحالُ أن يحتمل التركيب غيرَه؛ فَلا يمكن تخرِيجُهُ إِلَّا على هذا الوَجهِ كقولِهِ "سَاوَةُ": بَلْدةٌ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ، أَيْ: أَهْلُ سَاوَةَ سَاءَتْ بِنَضْبِ مَاءِ بَحْرٍ صَغِيرٍ فِيهَا؛ أَيْ: ذَهَابُ مَائِهِ» (3).
وممَّا سجَّلته عن نصوص علاقة الإضافة، غيابُ التّناول علاقة الإضافة، غيابُ التَّناول البلاغي لها، وهذا ما يُفسّر سَبَبَ دراسة هذه الظاهرة في هذا المبحث؛ إِنَّ الشَّارِحَ لا يعمد إلى بيان المقاصد المعنوية البلاغيَّة التي تؤدّيها هذه العلاقة، ولا يتطرَّقُ إلى الجانب الجمالي والفنّي لتوظيف هذا
(1) ينظر إجابة الدعوة [77].
(2) ينظر (م، س) [111 ظ]. (3) (م، س) [198] و [98].
174